“Intermodal”: هل سيؤدي “النينيو” إلى مزيد من الاضطرابات في الشحن البحري؟

النينيو

تترقب أسواق الشحن البحري العالمية خلال العام الجاري تداعيات محتملة لعودة ظاهرة النينيو. التي من المتوقع أن تؤثر بصورة مباشرة على أنماط استهلاك الطاقة في آسيا، وإنتاج المحاصيل الزراعية، ومسارات التجارة الدولية.

ووفقًا لتقديرات شركة الوساطة البحرية Intermodal، تبلغ احتمالات تشكل الظاهرة خلال الفترة من مايو إلى يوليو 2026 نحو 82 %. بينما ترتفع فرص استمرارها حتى شتاء 2026/2027 إلى 96 %ز ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التقلبات في أسواق السلع والشحن البحري.

وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة لقطاع النقل البحري بسبب تزامن الظاهرة مع أشهر الصيف في نصف الكرة الشمالي. وهي الفترة التي تشهد عادةً ذروة استهلاك الكهرباء في الاقتصادات الآسيوية الكبرى. إلى جانب تزايد مخاطر اضطراب الرياح الموسمية في الهند وتأثيراتها المحتملة على الزراعة والتجارة البحرية.

ارتفاع الطلب على الطاقة قد يدعم أسواق الفحم والشحن الجاف

وقال التقرير إن سوق الفحم سيكون من أبرز القطاعات المتأثرة بعودة النينيو. فقد سجلت الهند بالفعل مستوى قياسيًا جديدًا في الطلب على الكهرباء بلغ 270.73 جيجاوات، متجاوزةً التقديرات الحكومية السابقة لفصل الصيف.

وبما أن الفحم لا يزال يمثل أكثر من 70 % من مزيج إنتاج الكهرباء الهندي، فإن ارتفاع درجات الحرارة أو ضعف هطول الأمطار قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على محطات الفحم الحرارية. مع تباطؤ عمليات إعادة بناء المخزونات المحلية.

ومن شأن هذا التطور أن يرفع واردات الفحم الهندية من الأسواق الرئيسية المصدرة. وعلى رأسها إندونيسيا وأستراليا وجنوب أفريقيا. وهو ما قد ينعكس إيجابًا على الطلب على سفن الباناماكس والكامسارماكس العاملة في المحيطين الهندي والهادئ.

ولا يقتصر التأثير المحتمل على الهند وحدها؛ إذ يشير التقرير إلى أن الصين ودول شمال آسيا قد تواجه ظروفًا مشابهة. فقد ارتفعت واردات الفحم الحراري الآسيوية خلال مايو إلى نحو 76.26 مليون طن، بزيادة بلغت 23 % مقارنة بشهر أبريل. ومن المتوقع أن تستورد الصين نحو 22.63 مليون طن، فيما تصل واردات الهند إلى 13.78 مليون طن خلال الفترة نفسها.

ورغم أن جزءًا من هذه الزيادة يرتبط بعوامل أخرى مثل انخفاض الإنتاج المحلي في الصين وعدم وضوح السياسات التصديرية في إندونيسيا. فإن ظاهرة النينيو قد تعزز هذا الاتجاه إذا تسببت في ارتفاع استهلاك الكهرباء لأغراض التبريد أو أدت إلى تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية نتيجة انخفاض معدلات الأمطار.

الحبوب بين تراجع الإنتاج الأسترالي وتغير مسارات التجارة

في المقابل. تبدو التأثيرات المحتملة على تجارة الحبوب أكثر تعقيدًا وتباينًا. فعادة ما ترتبط ظاهرة النينيو بانخفاض هطول الأمطار في أستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. مقابل تحسن الظروف المناخية في بعض مناطق أمريكا الجنوبية.

وتعد أستراليا من أكثر الدول المعرضة للتأثر. حيث تشير التقديرات الحالية إلى تراجع إنتاج القمح خلال موسم 2026/2027 بنسبة تصل إلى 19 % ليبلغ نحو 29 مليون طن. مع انخفاض الصادرات إلى نحو 23.5 مليون طن، أي أقل بنحو 2.5 مليون طن مقارنة بالمستويات السابقة.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فمن المتوقع أن تنخفض شحنات القمح الأسترالية طويلة المسافة. ما سيدفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل من منطقة البحر الأسود وأوروبا والأرجنتين وأمريكا الشمالية.

لكن التأثير الأهم على قطاع الشحن قد لا يكون مرتبطًا بانخفاض الكميات المنقولة. بل بتغير مسارات التجارة العالمية. فضعف الرياح الموسمية في الهند قد يزيد من احتياجات البلاد إلى واردات الزيوت النباتية والبقوليات والحبوب العلفية والأسمدة. بينما قد تؤدي التحديات المناخية في إندونيسيا وماليزيا إلى إعادة توجيه تجارة زيت النخيل العالمية نحو مسارات وأسواق جديدة.

أمريكا الجنوبية قد تصبح المستفيد الأكبر

في الوقت ذاته، قد تحقق أمريكا الجنوبية مكاسب مناخية واقتصادية نتيجة تحسن الظروف الزراعية المرتبطة بالنينيو. ومن المتوقع أن يدعم ذلك إنتاج وصادرات فول الصويا وكسب الصويا، خاصة من البرازيل والأرجنتين، نحو الأسواق الآسيوية.

ويحمل هذا التحول أهمية خاصة لقطاع الشحن البحري. إذ سيؤدي إلى زيادة الطلب على الرحلات طويلة المسافة بين حوض الأطلسي وآسيا. ما يدعم تشغيل سفن الباناماكس والسوبراماكس، ويزيد الطلب على خدمات النقل البحري عبر المحيطات.

تأثيرات متباينة على سوق الشحن البحري

أوضح التقرير أن النينيو تبدو أكثر إيجابية لأسواق شحن الفحم مقارنة بقطاع الحبوب على المدى القصير. فزيادة الطلب الآسيوي على الطاقة قد تدعم معدلات تشغيل أسطول الشحن الجاف في المحيط الهادئ. بينما تؤدي التغيرات الزراعية إلى إعادة تشكيل تدفقات التجارة العالمية للحبوب والبذور الزيتية.

وفي الوقت نفسه، قد يتراجع دور أستراليا كمصدر رئيسي لبعض الشحنات الزراعية، مقابل صعود أهمية أمريكا الجنوبية كمورد رئيسي للأسواق الآسيوية. ما يعني زيادة أطوال الرحلات البحرية وارتفاع الطلب على الطن-ميل، وهو أحد أهم المؤشرات الداعمة لأسواق الشحن.

هل تتحول النينيو إلى محفز قوي لأسواق الشحن؟

يرى التقرير أن التأثير الإيجابي الأكبر على أسواق الشحن لن يتحقق إلا إذا اجتمعت ثلاثة عوامل رئيسة في وقت واحد، تتمثل في:

1. ارتفاع درجات الحرارة بشكل ملحوظ في آسيا.
2. ضعف الرياح الموسمية والأمطار في الهند.
3. اضطراب إمدادات الفحم الإندونيسي.

وفي حال تحقق هذا السيناريو، فقد تشهد أسواق الشحن الجاف دفعة قوية نتيجة ارتفاع الطلب على الطاقة والمواد الأولية. أما إذا غاب أحد هذه العوامل أو أكثر، فمن المرجح أن تبقى النينيو عاملًا يزيد من تقلبات الأسواق وتغير مسارات التجارة. دون أن تتحول إلى محرك صعودي شامل لقطاع الشحن البحري العالمي.

نظرة مستقبلية

واعتبر التقرير أنه في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، قد تضيف عودة النينيو طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد البحري العالمي خلال الأشهر المقبلة.

وبينما تبدو أسواق الفحم والطاقة الأكثر استفادة من الظاهرة، فإن تأثيراتها على تجارة الحبوب والسلع الزراعية ستعتمد بدرجة كبيرة على مدى قوة الظاهرة واستمرارها. فضلًا عن استجابة الدول المستوردة والمصدرة للتغيرات المناخية المرتقبة.

وبالتالي، فإن عام 2026 قد يشهد إعادة رسم جزئية لبعض تدفقات التجارة البحرية العالمية. ليس فقط بسبب التطورات الجيوسياسية، بل أيضًا بفعل المتغيرات المناخية التي أصبحت تلعب دورًا متزايد الأهمية في تشكيل حركة الشحن والتجارة الدولية.