في خطوة تؤسس لشراكة استراتيجية معمقة. بدأ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله -زيارته الرسمية الثانية إلى الولايات المتحدة، أمس الثلاثاء. وهي الزيارة التي من المتوقع أن تنقل العلاقة التاريخية، التي بدأت في منتصف الأربعينات من القرن الماضي، إلى مستوى جديد وأكثر رسمية.
الشراكة الاستراتيجية السعودية – الأمريكية
وتأتي الزيارة بعد اختيار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، المملكة محطته الخارجية الأولى في ولايتيه الرئاسيتين الأولى والثانية. مما يؤكد المحورية الاستراتيجية للرياض في السياسة الخارجية الأمريكية.
ووفقًا لاثنين من أبرز خبراء العلاقات السعودية – الأمريكية، وهما البروفسور برنارد هيكل والبروفسور جريجوري جوس، فإن هذه الزيارة تخدم المصالح المشتركة لكلا البلدين. وتتوافق بشكل لافت ضمن شعار “أمريكا أولًا” و”رؤية 2030″ السعودية الطموحة. كما تدعم إرساء الاستقرار والسلام على الصعيدين الإقليمي والدولي.
زيارة “بالغة الأهمية” تتجاوز الأمن والنفط
وصف البروفسور برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى بجامعة برينستون، في حواره مع “الشرق الأوسط”، زيارة سمو ولي العهد لواشنطن بأنها “بالغة الأهمية”. نقلا عن “الشرق بلومبرج“، و”الشرق الأوسط“.
وأشار إلى أنها “تتوج سنوات من المفاوضات” بين البلدين حول سلسلة من الاتفاقيات المحورية. وتشمل هذه الاتفاقيات ملفات الأمن المتبادل، والدفاع المشترك، وإنتاج الطاقة النووية المدنية، والتعدين والمعادن النادرة، والذكاء الاصطناعي، وتبسيط المبيعات العسكرية.
وأضاف هيكل أن هذه الاتفاقيات تشير بوضوح إلى أن السعودية والولايات المتحدة “حليفان استراتيجيان”. وهي “تضفي طابعًا رسميًا على هذا النوع من التحالف”. وأكد أن هذه الخطوات “تطوي فصلًا مهمًا” من بعض التوتر الذي شاب العلاقات الأمريكية – السعودية في الماضي القريب.
من جانبه، رأى البروفسور جريجوري جوس، رئيس “دائرة الشؤون الدولية” في جامعة تكساس، أن الزيارة “مؤشر على ترسيخ الدور القيادي لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان سواء في البلاد أو في المنطقة، وحتى على الساحة العالمية”. كما شدد جوس على أن القضايا التي تناقشها الزيارة “قائمة منذ فترة طويلة”. مؤكدًا أن العلاقة بين البلدين ستستمر لكونها مبنية على “مصالح كثيرة متداخلة”. ولا يمكن اختصارها أو تبسيطها بالمعادلة التبادلية بين الأمن والنفط.
وعلى ذات الصعيد، قال هيكل إن فكرة أن العلاقة قامت على “مسألة النفط مقابل الأمن” هي “وهم”. وأوضح أن العلاقة ارتكزت على “المصالح المشتركة” و”رؤية مشتركة للعالم”. حيث لطالما أراد البلدان “شرق أوسط مستقرًا” تتدفق فيه التجارة بحرية.
أن الولايات المتحدة تدرك أهمية السعودية “بقدر ما يظل النفط سلعة عالمية مهمة”. مستشهدًا بلحظة بداية حرب أوكرانيا وارتفاع سعر النفط بشكل كبير،. حيث عاد الرئيس السابق جو بايدن ليدرك أهمية الرياض.

الذكاء الاصطناعي: “هيوماين” ترسخ السيادة السعودية
تأخذ ملفات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي حيزًا كبيرًا من المباحثات الحالية. حيث أكد طارق أمين، الرئيس التنفيذي لشركة “هيوماين” السعودية، في مقابلة مع “الشرق”، أن الشركة تركز على ضمان السيادة في طموحها لتطوير البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي داخل المملكة. وأوضح أن السيادة تتحقق “من خلال أن تكون النماذج محلية وسيطرتنا كاملة على البيانات والخصوصية والقوانين التنظيمية”.
تأسست “هيوماين” في مايو الماضي من طرف صندوق الاستثمارات العامة لتكون الذراع الوطنية السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي. وتهدف إلى “جعل السعودية ثالث أكبر دولة في العالم على مستوى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بعد الولايات المتحدة والصين”.
وأشار أمين إلى شراكات ضخمة تم توقيعها مع شركات أمريكية عملاقة، منها:
-
“بلاكستون”: استثمار متوقع بقيمة 3 مليارات دولار في مراكز بيانات داخل السعودية.
-
“إنفيديا”: اتفاق للحصول على 18 ألف شريحة “بلاكويل” لنشر منظومة حواسيب مسرّعة بطاقة 500 ميجاوات.
-
“AMD”: اتفاقية لإنفاق 10 مليارات دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على مدى خمس سنوات.
-
“أمازون ويب سيرفيسز”: تعاون لاستثمار 5 مليارات دولار لمنطقة للذكاء الاصطناعي.
وشدد رئيس “هيوماين” على أن هذه الاتفاقيات هي “اتفاقات رابح رابح”، وليست مجرد صفقات شراء، بل تتضمن “استثمار أجنبي مباشر من الولايات المتحدة في السعودية”.
رؤية مشتركة للاستقرار الإقليمي: فلسطين وإيران
أكد هيكل أن “للسعودية رؤية لإنهاء النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي من خلال حل الدولتين”، مشددًا على أن المملكة “كانت ولا تزال تهتم بالقضية الفلسطينية”. ورأى أن خطة الرئيس ترمب للشرق الأوسط “مستوحاة ومتأثرة جدا بالرؤية السعودية” للمنطقة، لافتًا إلى أن القادة السعوديين “وضعوا شروطًا واضحة للغاية” لعدم إمكانية تحقيق النظام والسلام دون حصول الفلسطينيين على دولة.
أما بخصوص إيران، فرجح هيكل أن تواجه طهران “سياسة احتواء وتقييد”، وأن وجود تحالف أمني قوي مع الولايات المتحدة يعد “شكلًا من أشكال الردع” لإبلاغ الإيرانيين أن “مهاجمة السعودية ستكون باهظة الثمن”. وعلى الرغم من أن جوس رأى أن إيران “ليست خارج اللعبة” بعد الضربات الأخيرة، فإنه أشار إلى أن طهران ستكون على جدول أعمال المباحثات.
وفيما يتعلق بالنزاعات الإقليمية، أكد هيكل أن “النزاعين في اليمن والسودان بالغا الأهمية”. مؤكدًا رغبة السعوديين في إنهاء النزاعين. بينما رأى جوس أن السودان “ليس على رأس أجندة إدارة ترامب” حاليًا.













