شهدت سوق الشحن البحري العالمية أسبوعًا جديدًا من التقلبات الحادة. مع استمرار اتجاهات متباينة بين المسارات التجارية الرئيسية، وتأثيرات متزايدة للعوامل الجيوسياسية في أسعار الشحن.
ويكشف التحليل الأسبوعي الصادر عن شركة “زينيتا” المتخصصة في بيانات الشحن البحري عن صورة معقدة. حيث تواصل أسعار الشحن الفوري على المسارات المتجهة إلى أوروبا انحدارها.
بينما تظهر المسارات نحو الولايات المتحدة سلوكًا أكثر تقلبًا، متأثرة بقرارات سياسية قد تغير قواعد اللعبة في المستقبل القريب.
انفصال في الأداء.. تباين حاد بين الشرق والغرب
وفقًا لبيانات “زينيتا” بتاريخ 11 سبتمبر 2025 انخفضت أسعار الشحن الفوري المتوسطة من الشرق الأقصى إلى أوروبا وأمريكا الشمالية بشكل ملحوظ مقارنة بالأسبوع الماضي.
هذا الانخفاض يأتي بعد أسبوع سابق شهد تباينًا مثيرًا. إذ ارتفعت أسعار الشحن المتجهة إلى الولايات المتحدة بقوة، فيما تسارعت وتيرة الانخفاض في التجارة المتجهة إلى أوروبا. نقلًا عن موقع “xeneta“.
أبرز أرقام السوق الفورية (11 سبتمبر 2025)
- من الشرق الأقصى إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة: 2322 دولارًا للحاوية (40 قدمًا).
- من الشرق الأقصى إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة: 3190 دولارًا للحاوية (40 قدمًا).
- من الشرق الأقصى إلى شمال أوروبا: 2328 دولارًا للحاوية (40 قدمًا).
- من الشرق الأقصى إلى البحر الأبيض المتوسط: 2861 دولارًا للحاوية (40 قدمًا).
- من شمال أوروبا إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة: 1838 دولارًا للحاوية (40 قدمًا).
سوق الشحن لا تتحرك في اتجاه واحد
تظهر هذه الأرقام بوضوح أن سوق الشحن لا تتحرك في اتجاه واحد. فبينما شهدت المسارات الأوروبية تراجعًا مستمرًا منذ أشهر، أظهرت المسارات الأمريكية قفزات مفاجئة تلاها هدوء نسبي.
ففي الفترة من نهاية أغسطس حتى الآن ارتفع متوسط أسعار الشحن الفوري إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة بنسبة 27.1%، بينما ارتفع السعر إلى الساحل الشرقي بنسبة 11.8%.
في حين يثير هذا التباين تساؤلات حول ديناميكيات السوق. فالفارق الحالي في متوسط أسعار الشحن بين الساحلين الأمريكيين وصل إلى 868 دولارًا لكل وحدة مكافئة لعشرين قدمًا (TEU)، وهو ما يكسر النمط “الطبيعي” للعلاقة بينهما، والذي وصل إلى 1027 دولارًا لكل TEU في 31 أغسطس.
ويشير الخبراء إلى أن هذا الاختلال يؤكد أن مسارات التجارة المتجهة إلى الولايات المتحدة تتأثر بعوامل مختلفة، وأن هذه الفروقات ستنعكس مرة أخرى نحو التوازن بمجرد أن “تهدأ” الأسواق.

التجارة المتجهة إلى أوروبا تشهد انخفاضًا مستمرًا
في المقابل شهدت التجارة المتجهة إلى أوروبا انخفاضًا مستمرًا. فمنذ نهاية أغسطس انخفض متوسط سعر الشحن الفوري إلى البحر الأبيض المتوسط بنسبة 8.1%، بينما تراجع السعر إلى شمال أوروبا بنسبة 12.9%.
هذه الأرقام ليست مفاجئة؛ حيث انخفضت أسعار السوق الفورية في منطقة البحر الأبيض المتوسط بشكل متواصل منذ منتصف يونيو، بينما بدأت الانخفاضات في شمال أوروبا في أوائل يوليو.
على صعيد آخر تُظهر التجارة عبر الأطلسي (من شمال أوروبا إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة) حالة من الاستقرار الملحوظ. فانخفض متوسط السعر الفوري بمقدار 3 دولارات فقط لكل TEU (-0.2%) عن الأسبوع الماضي، وبمقدار 50 دولارًا لكل TEU (-2.6%) عن نهاية أغسطس.
وذلك يشير إلى أن هذه التجارة أقل تأثرًا بالعوامل التي تعصف بالمسارات الأخرى.
تحليل الخبراء: السياسة الأمريكية تتدخل في حسابات الشحن
لتحليل هذه التقلبات قدم بيتر ساند؛ كبير محللي شركة “زينيتا”، رؤى معمقة حول الأسباب الكامنة وراء هذه الديناميكيات.
وأشار إلى أن أحد العوامل الرئيسة وراء الزيادة الأخيرة في أسعار الشحن على المسارات المتجهة إلى الولايات المتحدة قد يكون مرتبطًا بتحركات شركات الشحن نفسها.
وقال “ساند”: “تستبدل شركات النقل البحري سفنها صينية الصنع التي تعمل على رحلاتها المتجهة إلى الولايات المتحدة، وذلك قبل تطبيق رسوم الموانئ التي فرضها مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR) في الشهر المقبل”.
كما يوضح أن هذه الخطوة، وإن لم تؤد بالضرورة إلى انخفاض في سعة الشحن أو تعطل في الرحلات، إلا أنها تسبب اضطرابات تؤثر في تطور الأسعار. فاستبدال السفن يتطلب تنسيقًا لوجستيًا معقدًا يمكن أن يؤثر في الجداول الزمنية وتوافر الحاويات. ما يدفع الأسعار للارتفاع بشكل مؤقت.
وضرب بيتر ساند مثالًا حيًا على ذلك قائلًا: “تستبدل شركة جيميني ما مجموعه 60,000 حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا عبر ست سفن صينية الصنع على خط US2، الذي يرسو على الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة”.
وتابع: من الواضح أن هذا جهد متضافر لتقليل حجم الحاويات الصينية المكافئة لعشرين قدمًا في هذه الرحلات.
هذه الخطوة الاستباقية من قبل شركات الشحن تهدف إلى تجنب الرسوم الجديدة التي تهدف إلى الضغط على الصين في إطار الحرب التجارية المستمرة.
ومع ذلك فإن تداعيات هذا التحرك تتجاوز نطاق السياسة لتصل إلى جيوب المصدرين والمستوردين. ما يؤثر في أسعار السلع الاستهلاكية النهائية.
أوروبا: لماذا يختلف البحر الأبيض المتوسط عن الشمال؟
على الجانب الأوروبي أشار بيتر ساند أيضًا إلى فارق مثير للاهتمام بين مسارات البحر الأبيض المتوسط ومسارات شمال أوروبا.
وقال: “في الأول من أغسطس كانت متوسطات أسعار الصرف الفورية على السفن التجارية من الشرق الأقصى إلى شمال أوروبا والبحر الأبيض المتوسط متقاربة تمامًا، إلا أن هذا الفارق ارتفع الآن إلى 500 دولار للوحدة المكافئة لعشرين قدمًا”.
ويصف ساند هذه الظاهرة بأنها “قصة مثيرة للاهتمام”، حيث إن هذا الفارق ناتج عن انخفاض حاد في أسعار الشحن المتجهة إلى شمال أوروبا، بينما تظل الأسعار في منطقة البحر الأبيض المتوسط أكثر تماسكًا في أسواق المدى القصير والطويل.
كما يرجع هذا التباين إلى عدة عوامل، أهمها: الطلب المتزايد في موانئ غرب البحر الأبيض المتوسط. حيث تساهم هذه الزيادة بالطلب في الحفاظ على ارتفاع أسعار الصرف الفورية مقارنةً بشمال أوروبا. الذي يعاني من طلب أكثر هدوءًا.
بينما يسلط هذا الاختلاف الضوء على أن أسواق الشحن ليست وحدة متكاملة. وأن الأداء الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد اتجاهات الأسعار.












