في تصعيد جديد يعيد رسم مشهد الحرب الخفية فوق مياه البحر الكاريبي، أعلنت الولايات المتحدة احتجاز ناقلة نفط قرب السواحل الفنزويلية، في عملية عسكرية موثقة بالفيديو.
وظهر في الفيديو مروحية أميركية تهبط على سطح السفينة لتنفيذ الاعتقال.
هذه الحادثة ليست مجرد خطوة أمنية معزولة، بل تطور غير مسبوق منذ فرض العقوبات الأميركية على فنزويلا عام 2019.
وتفتح هذه الحادثة الباب أمام سلسلة أسئلة تتعلق بمستقبل “أسطول الظل” العالمي وحركة تجارة النفط الخاضع للعقوبات.
عملية الاقتحام… مناورات جوية واعتقال في قلب البحر
أظهر الفيديو الذي عرضته بام بوندي، المدعية العامة الأميركية أظهر مروحية عسكرية تحلق فوق الناقلة قبل أن ينزل عناصر من خفر السواحل والمارينز بحبال إلى سطحها، بينما تتقدم وحدات مسلحة داخل الممرات الداخلية للسفينة.
وقالت بوندي إن العملية نفذت بعد صدور أمر فيدرالي باحتجاز ناقلة تستخدم لنقل نفط خاضع للعقوبات من إيران وفنزويلا.
وبحسب شبكة CBS، اليوم، نفذت القوة الأميركية العملية انطلاقًا من حاملة الطائرات العملاقة “يو إس إس جيرالد فورد”، أكبر حاملة طائرات في العالم، والتي جرى نشرها مؤخرًا في البحر الكاريبي ضمن حشد عسكري قوامه آلاف الجنود.
الناقلة المحتجزة تدعى “ذا سكيبر”، وكانت خاضعة لعقوبات أميركية منذ عام 2022 بتهم تتعلق بنقل نفط يمول جماعات مرتبطة بإيران وحزب الله.
فنزويلا: “قرصنة دولية”… وتنديد أمام المنظمات العالمية
رد الحكومة الفنزويلية كان سريعًا وقاسيًا؛ إذ اتهمت الولايات المتحدة بارتكاب “سرقة سافرة”، ووصفت العملية بأنها “عمل قرصنة دولية” يستهدف موارد البلاد الحيوية.
وأكد نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي، أكد أن بلاده “لن تصبح مستعمرة نفطية”، وأن ما جرى يمثل تهديدًا مباشرًا لسيادة فنزويلا التي تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم.
أما وزير الداخلية ديوسدادو كابِيو، فقد هاجم واشنطن قائلًا: “إنهم قتلة ولصوص وقراصنة”، ساخرًا بأن القراصنة الأميركيين “لا يشبهون جاك سبارو، فهم مجرد مجرمين في أعالي البحار”.
“أسطول الظل” يترنح
وضعت عملية المصادرة نحو 80 سفينة محملة أو تنتظر التحميل قبالة السواحل الفنزويلية في حالة تأهب، من بينها أكثر من 30 سفينة خاضعة للعقوبات الأميركية، وفق بيانات «تانكر تراكرز».
هذا الأسطول يُعرف باسم “أسطول الظل”، ويتكون من ناقلات قديمة تعمل بملكية معقدة وغامضة، وتميل إلى إيقاف نظام تحديد الهوية AIS وإخفاء مواقعها خلال الإبحار، لتفادي الرقابة الدولية.
أشار تحليل من شركة Lloyd’s List Intelligence، اليوم، إلى أن الأسطول العالمي للناقلات الخاضعة للعقوبات يشمل 1423 ناقلة، منها 921 ناقلة تخضع لعقوبات أميركية أو أوروبية أو بريطانية.
تستخدم هذه السفن لنقل نفط روسيا وإيران وفنزويلا إلى آسيا، وغالبًا ما تحمل شحنات متعددة المصدر، وهو ما يجعل تتبعها مهمة معقدة.
لماذا احتجزت واشنطن الناقلة الآن؟
تزامنت العملية مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “عمليات برية قريبة داخل فنزويلا”، ضمن حملة ضغط لإطاحة مادورو.
وقال ترامب تعليقًا على النفط المصادر “سنحتفظ به… أظن أننا سنأخذ النفط”، وهو التصريح الذي أثار موجة انتقادات دولية واتهامات باستغلال الموارد الفنزويلية.
كما كشفت تقارير أميركية عن تنفيذ 22 ضربة عسكرية ضد زوارق في المنطقة منذ سبتمبر الماضي، بحجة مكافحة تهريب المخدرات، وأسفرت عن 80 قتيلًا على الأقل.
صادرات فنزويلا تتحدى العقوبات وترتفع لأعلى مستوياتها
رغم التصعيد الأميركي، تشير بيانات شركات الشحن إلى أن صادرات فنزويلا ارتفعت في نوفمبر إلى 900 ألف برميل يوميًا، وهي أعلى مستوياتها منذ سنوات.
فيما تضاعفت واردات “النافتا” المستخدمة في تخفيف النفط الثقيل إلى 167 ألف برميل يوميًا، أغلبها من روسيا.
ويرجع هذا النمو إلى نجاح “أسطول الظل” في نقل الشحنات عبر طرق غير مباشرة إلى ماليزيا والصين، أو عبر سفن مموَّهَة تستخدم أسماء ورموزًا مختلفة.
تأثير العملية على سوق الشحن وأسعار النفط
مباشرة بعد الإعلان عن احتجاز الناقلة، ارتفع سعر خام برنت بشكل طفيف بسبب مخاوف من تراجع الإمدادات في المدى القصير.
حذر الخبراء، بحسب تقرير “يورو نيوز” اليوم، من ارتفاع تكلفة التأمين البحري للسفن المبحرة في مياه فنزويلا، وانسحاب سفن من المنطقة خوفًا من الاحتجاز.
بالإضافة إلى مخاوف من تأخير في الصادرات الفنزويلية خلال الأسابيع المقبلة، وزيادة مخاطر المواجهة العسكرية في البحر الكاريبي.
كما بدأت شركات شحن كبرى مراجعة خطط الإبحار في المنطقة، وهو ما قد يؤثر على امدادات النفط لأسواق آسيا وأوروبا.
هجوم جديد في البحر الأسود
وفي تطور موازٍ، أعلنت وسائل إعلام أوكرانية تنفيذ كييف هجومًا بطائرات بحرية مسيرة من نوع “سي بيبي” ضد سفينة روسية تابعة لـ”أسطول الظل”، كانت تبحر تحت علم جزر القمر باتجاه ميناء نوفوروسيسك.
وكانت السفينة تُخفي موقعها وتبحر داخل المنطقة الاقتصادية الأوكرانية، وسبق أن استهدفت أوكرانيا ناقلتي نفط فارغتين الشهر الماضي باستخدام التقنية نفسها.
ووصف رجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، وصف هذه الهجمات بأنها “تصعيد مقلق” يهدد سلامة الملاحة التجارية في البحر الأسود.
العالم أمام مرحلة جديدة من صراعات البحار
يعكس احتجاز الناقلة الفنزويلية والهجمات في البحر الأسود واقعًا جديدًا، بحسب التقرير؛ حيث لم تعد الأساطيل التقليدية اللاعب الوحيد في تجارة الطاقة.
وبينما تواصل واشنطن سعيها لتضييق الخناق على صادرات فنزويلا وإيران وروسيا، تستمر هذه الدول في تطوير شبكات نقل موازية، ما ينذر بمزيد من المواجهات البحرية خلال الفترة المقبلة.













