تواجه صناعة الشحن البحري بكل فئاتها عاصفة حقيقية نتيجة تصاعد حدة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما انعكس مباشرة على حركة الشحن العالمية وأسواق النقل البحري.
أوضحت شركة الوساطة البحرية Xclusiv، في تقريرها الأسبوعي الأخير، أن بكين ردت على الرسوم المينائية الأمريكية المرتقبة بإجراء مضاد.
وقررت بكين فرض رسوم جديدة على أي سفينة تبنى في الولايات المتحدة أو ترفع علمها أو تمتلكها أو تديرها جهة أمريكية.
كما تشمل الإجراءات السفن التي يمتلك مواطنون أمريكيون نسبة لا تقل عن 25% من أسهمها أو حقوق التصويت فيها أو عضوية في مجالس إدارتها.
تفاصيل الرسوم الصينية الجديدة
تبدأ الرسوم الجديدة من 400 يوان صيني لكل طن صاف في الرحلة الواحدة، وترتفع تدريجيًا إلى 640 يوانًا في 17 أبريل، ثم إلى 880 يوانًا في عام 2027، لتصل إلى 1,120 يوانًا في عام 2028.
ومن المقرر تحصيل الرسوم مرة واحدة فقط عند أول ميناء صيني ترسو فيه السفينة، وبحد أقصى خمس رحلات سنويًا لكل سفينة.
وأكدت بكين أن تفاصيل التنفيذ لا تزال قيد الإعداد، فيما أعلنت جمعية ملاك السفن الصينية رفضها القواعد الأمريكية الجديدة التي كانت السبب في هذا التصعيد.
وردت واشنطن بإجراء مماثل تمثل في فرض تعرفة بنسبة 100% على جميع الواردات الصينية، لتنتقل المواجهة بذلك إلى قلب حركة التجارة البحرية العالمية.
وأشار التقرير إلى أن الخطر الحقيقي لا يرتبط فقط بعلم السفينة أو بلد بنائها، وإنما ببنية الملكية المعقدة التي تحدد الأطراف المستفيدة منها.
حجم السفن المتأثرة والإحصاءات التفصيلية
أوضحت البيانات التي أوردتها شركة Xclusiv أن عدد السفن النشطة في قطاع البضائع الجافة يبلغ نحو 14,500 سفينة، من بينها 34 تحمل العلم الأمريكي و25 بنيت في الولايات المتحدة و299 مملوكة أو مدارة من جهات أمريكية.
أما في قطاع الناقلات التي تتجاوز حمولتها عشرة آلاف طن، فيبلغ عددها 7,800 وحدة، منها 74 سفينة أمريكية العلم و60 أمريكية البناء و265 مملوكة أو مدارة أمريكيًا.
وفي قطاع الحاويات الذي يضم حوالي 7,000 سفينة، هناك 67 سفينة تحمل العلم الأمريكي و39 أمريكية البناء و149 مملوكة أو مدارة من شركات أمريكية.
في حين يبلغ عدد ناقلات الغاز قرابة 2,500 وحدة، من بينها سفينة واحدة فقط تحمل العلم الأمريكي، ولا توجد أي منها أمريكية البناء، بينما تملك جهات أمريكية أو تدير 58 منها.
ورغم أن هذه النسب تبدو محدودة في ظاهرها، فإن بند الملكية يغير الصورة كليًا، إذ تظهر الإحصاءات أن الشركات الأمريكية المدرجة في البورصة تمتلك 617 سفينة بضائع جافة و928 ناقلة و383 سفينة حاويات و218 ناقلة غاز.
وأكد التقرير أن إجمالي قدد السفن والناقلات وصل إلى 2,146 سفينة عبر مختلف القطاعات، وهي جميعها معرضة للتأثر بالرسوم الصينية الجديدة.
تفاوت التأثيرات بين القطاعات البحرية
لفت التقرير إلى أن حجم التأثير يختلف من قطاع إلى آخر، فبالنسبة للبضائع الجافة فإن الأثر المباشر قد يكون محدودًا في الوقت الراهن.
وقال إن هذا يمثل عبئًا إضافيًا على الرحلات المتجهة إلى الصين، وهو ما قد يدفع المستأجرين إلى تفضيل السفن التي لا ترتبط بملكية أمريكية.
أما في قطاع الناقلات، فيتوقع أن تتأثر معدلات التشغيل بشكل أكبر، خصوصًا مع وجود مئات الناقلات التي تمتلكها أو تديرها شركات أمريكية، إذ قد يؤدي الغموض التنظيمي إلى تراجع الإقبال على استئجارها.
وفي قطاع الحاويات يبدو الوضع أكثر تعقيدًا، إذ تتداخل الرسوم الأمريكية البالغة 100% على الواردات الصينية مع الإجراءات الصينية الجديدة، ما يضيف طبقة جديدة من التكاليف التشغيلية ويحد من حركة النقل عبر المحيط الهادئ.
وفي المقابل، فإن قطاع الغاز أقل تعرضًا للمخاطر المباشرة بسبب محدودية السفن الأمريكية فيه، لكنه يظل غير محصن تمامًا أمام تأثيرات الملكية الأمريكية غير المباشرة في السوق العالمية.
دوامة متبادلة من الضرائب البحرية
في تطور مواز، تستعد الولايات المتحدة لتطبيق رسوم مماثلة على السفن المملوكة أو المبنية في الصين، وفق الهيكل التصاعدي ذاته.
وأشار التقرير إلى دخول الجانبين في دوامة متبادلة من الضرائب البحرية التي تهدد بإعادة تشكيل خريطة الشحن العالمية.
وزادت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من حدة المواجهة بإعلانها أن الدول التي تصوت لصالح إطار العمل الخاص بالحياد الصفري للانبعاثات في المنظمة البحرية الدولية قد تواجه عقوبات أو حظرًا مينائيًا أو رسومًا عقابية جديدة.
ويعكس هذا الأمر أن الشحن البحري لم يعد مجرد وسيلة محايدة للتجارة، بل تحول إلى أداة فاعلة في إدارة الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
تحديات جديدة أمام ملاك السفن والمستأجرين
اختتمت شركة Xclusiv تقريرها بالتأكيد على أن ملاك السفن والمستأجرين باتوا أمام واقع جديد يفرض إدارة أكثر تعقيدًا للمخاطر التنظيمية والسياسية، في ظل بيئة تتسم بالتقلب وعدم اليقين.
وأوضحت أن كلفة الامتثال للإجراءات الجديدة قد تعادل قريبًا كلفة عبور أي محيط فعلي، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه صناعة الشحن البحري، التي تجد نفسها اليوم في قلب معركة تجارية وجيوسياسية قد تعيد رسم موازين التجارة البحرية العالمية لعقود قادمة.













