ارتفاع التكاليف والصعوبات التقنية تعصف بأحلام تايوان في مشاريع الرياح البحرية

تحديات تايوان في سباق الطاقة الخضراء.. مشاريع الرياح البحرية تواجه عاصفة من التكاليف والتعقيدات التقنية
تحديات تايوان في سباق الطاقة الخضراء.. مشاريع الرياح البحرية تواجه عاصفة من التكاليف والتعقيدات التقنية

في سعيها لتحقيق طموحاتها في مجال الطاقة المتجددة تواجه تايوان، التي تعتبر رائدة في إنتاج أشباه الموصلات، تحديات متزايدة في قطاع طاقة الرياح البحرية.

وبعد فترة من النمو السريع المدفوع بمشاريع المياه الضحلة. يبدو أن الجزيرة تنتقل إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وتكلفة. فيما تتطلب دعمًا حكوميًا غير مسبوق لضمان استمرارية المشاريع وتحقيق الأهداف الطموحة. ففي ظل انتقال المشاريع إلى مياه أعمق وأصعب تقنيًا، يجمع الخبراء والمحللون على أن السوق يحتاج إلى دفعة قوية من السياسات المحفزة لتمكين الموردين من تلبية متطلبات الطاقة المتزايدة.

اعتماد تايوان بشكل كبير على الطاقة المولدة من الفحم

بينما تعد تايوان، التي كانت تعتمد بشكل كبير على الطاقة المولدة من الفحم، قدوة في التحول نحو الطاقة النظيفة. حيث ضاعفت قدرتها الإنتاجية من طاقة الرياح البحرية بأكثر من أربعة أضعاف. لتصل إلى أربعة جيجاوات. هذا النمو الهائل، الذي تحقق في فترة قصيرة. يأتي كجزء من استراتيجية حكومية تستهدف توليد 60% من طاقتها من مصادر متجددة بحلول عام 2050.

في حين لم يعد تحقيق هذا الهدف الطموح معتمدا على التوسع الأفقي في المياه الضحلة. بل يتطلب غوصًا في أعماق المحيط. وهو ما يفرض تحديات تقنية واقتصادية غير مسبوقة. حسبما ورد على موقع شركة “bairdmaritime” الرائدة عالميًا في مجال الأخبار البحرية.

تأخيرات ومخاوف: هل تتعثر سياسة تايوان للطاقة؟

كان من المتوقع أن تكشف الحكومة التايوانية عن تفاصيل المزاد القادم لعقود توريد ما يصل إلى ثلاثة جيجاوات من طاقة الرياح البحرية في شهر يونيو الماضي. وهو ما كان سيشكل دفعة كبيرة للقطاع. إلا أن إدارة الطاقة أعلنت عن تأجيل القرار. موضحة أنها لا تزال تجمع الآراء حول آلية المناقصة. ورغم هذا التأخير، تظل الإدارة متمسكة بهدفها المتمثل في توليد 10.9 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2030. هذا التأخير، الذي يأتي في وقت حرج. يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة على الموازنة بين الحاجة الملحة للطاقة ومتطلبات سوق استثمارية متقلبة.

في حين يرى المشاركون في القطاع أن هذه التأخيرات تعكس واقعًا جديدًا: عصر المشاريع منخفضة التكلفة في المياه الضحلة قد انتهى. فالمزادات السابقة شهدت منافسة شرسة. بلغت ذروتها بتقديم عروض أسعار تنافسية بلغت 0 دولار تايواني للكيلووات/ساعة.

وهذا ما كان يعكس وفرة المواقع السهلة نسبيًا للإنشاء. لكن مع استنفاد هذه المواقع. فإن المرحلة القادمة ستشهد ارتفاعًا حتميًا في التكاليف. وقال سكوت هسو، مدير شركة رامبول للاستشارات والهندسة في تايوان. إن القطاع يواجه تحديًا تقنيًا كبيرًا. حيث “يفكر الجميع الآن في كيفية رفع القدرات التقنية للتوربينات ذات القاع الثابت من عمق 60 مترًا إلى ما يصل إلى 90 مترًا. قبل أن نتمكن من الانتقال إلى التكنولوجيا العائمة”. هذه التحديات التقنية تترجم إلى تكاليف أعلى. مما يضع ضغطًا كبيرًا على المطورين والموردين.

ارتفاع التكاليف يهدد الجدوى الاقتصادية

يعتبر ارتفاع التكاليف هو التحدي الأبرز الذي يواجه صناعة طاقة الرياح البحرية في تايوان. فوفقًا لشركة “آيجر إنسايتس” الدنماركية، يتوقع أن تصل عروض الأسعار التنافسية في المزاد القادم إلى ما بين 5 و6 دولارات تايوانية للكيلووات/ساعة، وهو ما يقارب ضعف سعر الطاقة المولدة من الفحم، والذي يبلغ حوالي 3 دولارات تايوانية. هذا الارتفاع يعكس تزايد عدم اليقين بشأن الجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة، ويجعلها أقل جاذبية للمستثمرين في غياب الدعم الحكومي.

بينما أكد المحلل في “آيجر إنسايتس”، سيمون إنجفريد، أن “سوق طاقة الرياح البحرية التايواني سيحتاج إلى دعم في المستقبل المنظور”. وأضاف أن “معاناة صناعة طاقة الرياح البحرية تتطلب دعمًا حكوميًا”، وهو ما يعكس حالة عالمية وليست مقتصرة على تايوان فقط. هذا الدعم يمكن أن يأتي في عدة أشكال، مثل آليات التمويل، أو ضمانات للشراء، أو تعديل في سياسات المشتريات. وبدون هذا الدعم، تتوقع “آيجر” أن تبلغ الطاقة التشغيلية لطاقة الرياح البحرية في تايوان ما يزيد قليلاً عن 10 جيجاواط بحلول عام 2035، وهو ما يقل كثيرًا عن الهدف الحكومي البالغ 18.4 جيجاواط.

اضطراب السياسات: هل تخلت الحكومة عن دعم سلاسل التوريد المحلية؟

لم تقتصر التحديات على الجانب التقني والاقتصادي فقط، بل امتدت لتشمل السياسات الحكومية. ففي نوفمبر الماضي، عدلت إدارة الطاقة قواعد المزادات لإزالة إلزام الفائزين بشراء المعدات من المصنعين المحليين. ورغم أن هذا التغيير كان يهدف إلى زيادة القدرة على توليد الطاقة وإبقاء التكاليف تحت السيطرة، إلا أنه أثار قلق الجهات المعنية المحلية.

كما قال ديفيد شيانغ، رئيس التعاون في مجال الطاقة في مجموعة “سيمي” لصناعة أشباه الموصلات، إن هذا التغيير “ساهم فجأة في اضطراب السياسات، مما صعّب على الجهات المعنية المحلية والدولية على حد سواء التخطيط لاستثمارات جديدة والالتزام بها”. هذا القرار، الذي يبدو وكأنه يضع التكلفة في المقام الأول على حساب دعم سلاسل التوريد المحلية، قد يعيق نمو الشركات التايوانية في هذا القطاع ويجعلها أكثر عرضة للمنافسة الأجنبية.

علاوة على ذلك، لا تزال البدائل التقنية مثل تقنية الطفو، التي تسمح بتركيب التوربينات في المياه العميقة دون الحاجة إلى تثبيتها في قاع البحر، غير مجربة على نطاق واسع وتُشكل خطرًا كبيرًا. وقال إدغار كيركويك، عضو مجلس إدارة رابطة طاقة الرياح الآسيوية، إن هناك “تراجعًا كبيرًا عن الطفو البحري في جميع أنحاء العالم”، وأن “اللاعبين الحاليين سيكونون حذرين للغاية بشأن إنفاق الأموال على شيء قد لا ينجح”. هذا الحذر يُضاف إلى قائمة التحديات التي يجب على الحكومة التايوانية التعامل معها لضمان استمرارية نمو قطاع طاقة الرياح البحرية الحيوي.