حاتم عبد الجواد: المخاطر الجيوسياسية غيرت معادلة اختيار طرق الملاحة العالمية

الخليج العربي

قال حاتم عبد الجواد، وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس، إن الاختناقات البحرية تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه حركة التجارة والملاحة العالمية. منوهًا إلى أن تعطل أي ممر أو مضيق بحري يمكن أن يؤدي إلى تكدس السفن وعدم القدرة على نقل البضائع في التوقيتات المطلوبة. بما ينعكس بصورة مباشرة على سلاسل الإمداد والأسواق العالمية.

وأضاف عبد الجواد أن الاختناقات الملاحية قد تنتج عن حوادث تشغيلية أو أعطال في الممرات البحرية، كما قد تكون نتيجة عوامل مناخية أو أمنية أو سياسية. لافتًا إلى أن التاريخ شهد العديد من الحالات التي أدت فيها هذه العوامل إلى تعطيل حركة الملاحة وإجبار السفن على البحث عن مسارات بديلة.

جاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها الجمعية البحرية المصرية تحت عنوان «الممرات والمضايق البحرية العالمية والتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على تدفق سلاسل الإمداد». مساء الأحد وحضرتها “عالم الموانئ”.

عوامل اختيار الطريق البحري

وأوضح أن معادلة اختيار الطريق البحري تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، فبعد أن كان القرار يعتمد بصورة أساسية على اختيار الطريق الأقل تكلفة أو الأكثر توافرًا من حيث الخدمات. أصبح العامل الجيوسياسي أحد المحددات الرئيسة لقرار شركات النقل وملاك السفن عند تحديد مسار الرحلات.

وذكر أن تكلفة الرحلة لم تعد تقتصر على الوقود والتشغيل والتأمين والخدمات، وإنما دخل إليها متغير جديد يتمثل في «مخاطر الحرب» أو War Risk Premium. والتي قد تصل في بعض الحالات إلى نحو 2 % من قيمة السفينة. وهو ما يمثل تكلفة كبيرة يمكن أن تؤثر في القرار النهائي بشأن اختيار الطريق.

وأوضح أن ارتفاع مخاطر الحرب يؤدي إلى تراجع جاذبية الممر البحري، حتى لو كان في الأصل الطريق الأقل تكلفة. لأن إضافة تكلفة المخاطر والتأمين قد تجعل الطريق البديل أكثر تنافسية من الناحية الاقتصادية.

وأشار إلى أن قناة السويس لا تزال تحتفظ بأهميتها بالنسبة إلى قطاعات معينة من النقل البحري، ولا سيما سفن الحاويات. التي قد تفضل في بعض الحالات استخدام الطريق عبر القناة رغم ارتفاع بعض تكاليف التأمين والمخاطر. نظرًا لما يوفره المسار من سرعة في الوصول مقارنة بالطرق البديلة.

إمدادات الطاقة في الممرات البحرية

وتطرق عبد الجواد إلى تطورات حركة إمدادات الطاقة عبر أبرز الممرات البحرية. معتبرًا أن عامي 2024 و2025 شهدا انخفاضًا حادًا في إمدادات الطاقة المتجهة إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز. في حين شهد مضيق ملقا استقرارًا نسبيًا في تدفقات الطاقة خلال الفترة نفسها.

وأضاف أن قناة السويس شهدت تراجعًا في بعض تدفقات الطاقة، في ظل استمرار عبور سفن البترول والمنتجات البترولية. مع ظهور مؤشرات على تحسن الحركة خلال الفترة الأخيرة. بينما شهد مضيق باب المندب انخفاضًا حادًا في إمدادات الطاقة خلال عامي 2023 و2024.

وأكد أن حجم تجارة الطاقة العالمية لم يتغير بصورة جوهرية، وإنما شهدت الخريطة تحولًا في مسارات النقل. نتيجة اضطرار السفن إلى تغيير طرقها بسبب الظروف الأمنية والجيوسياسية التي شهدتها بعض الممرات البحرية الرئيسة.

أبرز نقاط الاختناق في الملاحة العالمية

واستعرض وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس، أبرز المخاطر التي تواجه ما يعرف بـ«نقاط الاختناق» أو Chokepoints في حركة الملاحة العالمية. لافتًا إلى أن المخاطر الجيوسياسية تأتي في مقدمة هذه التحديات. وتشمل الحروب والصراعات الإقليمية التي تؤثر في أمن الممرات البحرية وقرارات شركات النقل.

وقال إن المخاطر الأمنية تمثل عاملًا آخر، وتشمل الهجمات على السفن وعودة أنشطة القرصنة في بعض المناطق، ومنها ما ظهر في محيط خليج عدن. إلى جانب تجدد نشاط القرصنة الصومالية بالتزامن مع زيادة النشاط الدولي في مناطق هرمز وباب المندب.

وأضاف أن التغيرات المناخية أصبحت من المخاطر المؤثرة بصورة متزايدة على الممرات البحرية. مستشهدًا بما شهدته قناة بنما خلال عامي 2023 و2024 من انخفاض في مناسيب المياه نتيجة الجفاف. وما ارتبط بذلك من تأثيرات ظاهرة النينيو على معدلات هطول الأمطار والطاقة الاستيعابية للقناة.

وأوضح أن انخفاض مستويات المياه في قناة بنما أدى إلى اضطرار السفن في بعض الفترات إلى تقليل حمولاتها أو الانتظار لفترات أطول لعبور القناة. بما يؤكد أن العوامل المناخية أصبحت قادرة على التأثير في كفاءة الممرات البحرية، إلى جانب العوامل الأمنية والسياسية التقليدية.

أهمية طريق القطب الشمالي

وتناول عبد الجواد كذلك الحديث عن طريق القطب الشمالي باعتباره أحد المسارات التي يكثر طرحها كبديل لقناة السويس. منوهًا إلى أن هذا الطريق لا يمكن اعتباره بديلًا مكافئًا للقناة، نظرًا لعدم إتاحته على مدار العام. إذ يكون صالحًا للملاحة لفترة محدودة تقارب خمسة أشهر فقط، إلى جانب خضوعه لاشتراطات خاصة ومحدودية قدرته على استيعاب السفن الكبيرة.

وأشار إلى أن طريق القطب الشمالي يخدم بصورة أساسية التجارة الداخلية الروسية وجزءًا محدودًا من التجارة الآسيوية. وبالتالي فإن تأثيره في حركة التجارة التي تمر عبر قناة السويس يظل محدودًا.

ونوه إلى أن المخاطر الاقتصادية أصبحت كذلك من العوامل المؤثرة في حركة التجارة البحرية، وتشمل العقوبات الاقتصادية والحروب التجارية التي قد تؤدي إلى تغيير وجهة التجارة وانتقالها من دولة إلى أخرى. وهو ما ينعكس بدوره على طرق النقل وحجم الطلب على الممرات البحرية المختلفة.

كما تشمل المخاطر التشغيلية الازدحام والحوادث وإغلاق الموانئ أو الممرات الملاحية نتيجة وقوع حوادث طارئة. وهي عوامل يمكن أن تؤدي إلى تعطيل حركة السفن وإحداث تأثيرات متتابعة في مواعيد وصول البضائع وتكاليف النقل.

تغييرات في مخاطر الممرات البحرية

وأكد عبد الجواد أن طبيعة الأزمات التي تواجه الممرات البحرية العالمية تغيرت، فلم تعد المخاطر مرتبطة بالأمن فقط، وإنما أصبحت منظومة متداخلة تضم العوامل المناخية والتشغيلية والاقتصادية والسياسية والجيوسياسية، وهو ما يجعل إدارة المخاطر والتخطيط لمسارات النقل أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

وشدد على أن هذه المتغيرات تعيد تشكيل قرارات شركات النقل البحري بشأن اختيار المسارات، حيث لم يعد الطريق الأقصر أو الأقل تكلفة بالضرورة هو الخيار الأفضل، وإنما أصبح القرار مرتبطًا بمجموعة متكاملة من العناصر تشمل تكلفة الرحلة، ومدة الوصول، وتوافر الخدمات، ومستوى المخاطر الأمنية والسياسية والمناخية، وتكلفة التأمين ومخاطر الحرب.