استمرار إغلاق مضيق هرمز يهدد أسواق الطاقة ويرفع تكلفة تشغيل السفن

مضيق هرمز

يقترب مضيق هرمز من إتمام ستة أشهر من الإغلاق الفعلي. في وقت لا تزال فيه مؤشرات التوصل إلى تسوية للصراع في الشرق الأوسط محدودة. ما يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تعقيدًا إذا استمر تعطّل حركة تدفقات الطاقة حتى نهاية عام 2026.

ورغم الطبيعة المتغيرة للمشهد الجيوسياسي في المنطقة، وإمكانية حدوث تطورات مفاجئة في أي وقت. فإن استمرار إغلاق المضيق حتى نهاية العام قد يفرض ضغوطًا إضافية على أسواق النفط والغاز. مع احتمالات تراجع الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة ووقود السفن.

وتختلف حدة هذه التداعيات وفقًا للمدة التي ستستمر خلالها الاضطرابات، ومدى قدرة الأسواق على تعويض الإمدادات المتضررة من مصادر بديلة.

25 % من تدفقات النفط العالمية تحت التهديد

وأشارت بيانات عام 2025 إلى أن الصراع في الشرق الأوسط يهدد نحو 25 % من تدفقات النفط العالمية. إلى جانب قرابة 20 % من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.

لكن التأثير الفعلي على حركة التجارة العالمية كان حتى الآن أقل حدة من حجم التدفقات المعرضة للخطر. مدفوعًا بزيادة الإمدادات من مناطق أخرى واستمرار جزء من النشاط عبر مضيق هرمز.

وبحسب بيانات التجارة الجمركية، انخفضت تدفقات النفط العالمية بنحو 7 % خلال النصف الأول من العام. بينما تراجعت تجارة الغاز الطبيعي المسال بنحو 4 %.

ورغم محدودية التراجع مقارنة بحجم التدفقات المهددة، بدأت تداعيات نقص الإمدادات تظهر بصورة أوضح على مخزونات الطاقة العالمية.

مخزونات النفط تتراجع إلى أدنى مستوى منذ أبريل 2025

وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية (IEA) أن إجمالي المخزونات العالمية المرصودة من النفط تراجع بنحو 2.7 مليون برميل يوميًا. بما يعادل 5 % من ذروتها المسجلة في فبراير، لتصل إلى أقل من 7.9 مليار برميل.

ويمثل هذا المستوى أدنى مخزون مسجل منذ أبريل 2025. في مؤشر على أن عمليات السحب من المخزونات بدأت تؤدي دورًا متزايدًا في تعويض اضطرابات الإمدادات.

كما تراجعت مخزونات النفط الموجودة في مرافق التخزين البرية للشهر الخامس على التوالي، لتعود إلى مستويات مماثلة لما سجلته في مارس 2025.

ولا تقتصر الضغوط على سوق النفط، إذ تواجه أوروبا تحديًا أكثر صعوبة في قطاع الغاز. في الوقت الذي تسعى فيه القارة إلى تعزيز مخزوناتها قبل موسم التدفئة الشتوي.

فجوة كبيرة في مخزونات الغاز الأوروبية

وتأتي مخزونات الغاز الأوروبية حاليًا أقل بنحو 19 % من مستويات عام 2025. كما تقل بنسبة 25 % عن متوسط السنوات الخمس.

ومع اقتراب موسم الشتاء، يثير هذا الوضع مخاوف بشأن قدرة الأسواق الأوروبية على إعادة بناء المخزونات إلى مستويات مريحة. خاصة إذا استمر اضطراب تدفقات الطاقة القادمة من منطقة الخليج العربي.

وفي حال بقاء مضيق هرمز مغلقًا، فمن المرجح أن تتواصل عمليات السحب من مخزونات النفط. بينما قد تواجه أوروبا صعوبة أكبر في إعادة ملء مخزونات الغاز قبل الشتاء؛ ما قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى.

أسعار الغاز الأوروبية تواجه ضغوطًا إضافية

وارتفع سعر الغاز الأوروبي القياسي TTF إلى أكثر من الضعف منذ بداية الصراع. رغم أنه لا يزال دون المستويات القياسية التي شهدتها الأسواق الأوروبية خلال عام 2022 عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ومن المرجح أن ترتفع أسعار الغاز الأوروبية خلال الشتاء المقبل. إلا أن حجم الزيادة سيعتمد بدرجة كبيرة على تطورات الإمدادات واستمرار الأزمة في مضيق هرمز.

وبالنسبة إلى قطاع نقل الغاز الطبيعي المسال، فإن ارتفاع أسعار الغاز لا يمثل في العادة تطورًا إيجابيًا، إلا أن الوضع الحالي يختلف جزئيًا. في ظل وجود كميات من الغاز الطبيعي المسال عالقة داخل الخليج العربي نتيجة اضطراب حركة الملاحة.

وفي الوقت نفسه، يعاني سوق ناقلات الغاز الطبيعي المسال بالفعل من وفرة في السفن؛ ما أدى إلى انخفاض الإيرادات. وإذا استمرت أحجام التجارة في التراجع، فقد تتعرض إيرادات السفن لمزيد من الضغوط خلال الأشهر المقبلة.

ارتفاع أسعار الغاز قد يدفع آسيا نحو الفحم

أما في الأسواق الآسيوية، فقد يؤدي ارتفاع أسعار الغاز بصورة حادة إلى تغيير مزيج استهلاك الطاقة. مع اتجاه بعض الدول إلى الاعتماد بصورة أكبر على الفحم وتقليص استهلاك الغاز.

ومن شأن هذا التحول أن ينعكس سلبًا على الطلب على الغاز الطبيعي المسال، وبالتالي على إيرادات ناقلات LNG. خاصة إذا تزامن مع استمرار ضعف أحجام التجارة.

وفي سوق النفط، قد يؤدي استمرار الصراع إلى مزيد من استنزاف المخزونات وارتفاع الأسعار.

وإذا تجاوز سعر النفط حاجز 100 دولار للبرميل، فمن المرجح أن تمتد التداعيات إلى أسعار الغذاء والسلع الأخرى. بما يرفع معدلات التضخم ويزيد الضغوط على أسعار الفائدة؛ ما سينعكس في النهاية على المستهلكين والنشاط الاقتصادي العالمي.

وفي السيناريو الأكثر تشاؤمًا، قد تتحول أزمة الطاقة إلى عامل يدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.

وقود السفن يواجه موجة ارتفاع جديدة

ولن تقتصر تداعيات استمرار إغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة، بل ستمتد بصورة مباشرة إلى تكاليف تشغيل السفن.

ويبلغ سعر وقود السفن منخفض الكبريت للغاية (VLSFO) في سنغافورة حاليًا نحو 840 دولارًا للطن المتري، مقارنة بأقل من 500 دولار للطن قبل اندلاع الحرب.

وتزداد المخاطر بسبب اعتماد سوق وقود السفن في سنغافورة، بصورة كبيرة، على إمدادات من منطقة الخليج العربي؛ ما يجعلها عرضة لمخاطر الإمدادات المرتبطة باستمرار اضطرابات المنطقة.

وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار النفط ليس العامل الوحيد الذي يضغط على تكلفة الوقود البحري. إذ تواجه السفن أيضًا زيادة في الكميات التي تحتاج إلى استهلاكها نتيجة تغيير مسارات الرحلات.

رأس الرجاء الصالح يرفع استهلاك الوقود

وتؤدي إعادة توجيه السفن بعيدًا عن المناطق المتضررة إلى زيادة المسافات التي تقطعها السفن.

وتحتاج السفن التي تعيد تنظيم رحلاتها من رأس تنورة أو قناة بنما وتسلك طريق رأس الرجاء الصالح إلى استهلاك كميات أكبر بكثير من وقود السفن نتيجة زيادة طول الرحلة.

وبذلك يواجه ملاك السفن ضغطًا مزدوجًا: ارتفاع سعر طن الوقود من ناحية، وزيادة كمية الوقود المستهلكة في الرحلة الواحدة من ناحية أخرى.

ويساعد هذا العامل في تفسير الفارق الكبير بين ارتفاع أسعار النفط ووقود السفن منذ بداية العام.

فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 54 % منذ بداية 2026، في حين قفز سعر وقود VLSFO في سنغافورة بنسبة 98 % خلال الفترة نفسها.

وقد يتسع هذا الفارق بصورة أكبر إذا استمرت الأزمة واضطرت السفن إلى مواصلة استخدام طرق أطول. بالتزامن مع استمرار الضغوط على إمدادات الوقود.

قطاع الشحن أمام شتاء أكثر تكلفة

وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز حتى نهاية عام 2026. فمن المتوقع أن يدخل قطاع الشحن موسم الشتاء في بيئة تتسم بانخفاض مخزونات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود وزيادة تكاليف التشغيل.

وقد تساعد بعض العوامل التي حدت من آثار الأزمة حتى الآن، مثل زيادة الإمدادات من مناطق أخرى وتراجع الطلب، في تخفيف جزء من الضغوط.

لكن استمرار الاضطرابات لفترة أطول قد يقلل قدرة هذه العوامل على تعويض النقص في الإمدادات بصورة كاملة. بالتزامن مع انخفاض إضافي في المخزونات وارتفاع أسعار النفط والغاز.