الرسوم الجمركية الأمريكية تختبر تماسك التحالفات التجارية

الرسوم الجمركية

تواجه سياسة دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، الجديدة بشأن الرسوم الجمركية ضغوطًا متزايدة على جبهتين؛ الأولى داخل الولايات المتحدة. حيث تشكك تحليلات قانونية في قدرة الإجراءات الأخيرة على الصمود أمام الطعون القضائية. والثانية على الساحة الدولية؛ حيث تتسبب تداعيات السياسة التجارية الأمريكية في تصاعد التوترات الاقتصادية والسياسية مع عدد من الشركاء التجاريين الرئيسيين.

وأشارت تحليلات حديثة صادرة عن معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (PIIE) إلى أن النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية قد يؤدي ليس فقط إلى إضعاف موقفها القانوني داخليًا. وإنما أيضًا إلى التأثير في المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة خارجيًا.

وتكشف هذه التطورات مجددًا عن اتساع نطاق تداعيات السياسة التجارية. التي قد تتجاوز الأهداف الاقتصادية المباشرة التي تفرض الرسوم الجمركية لتحقيقها.

طعون جديدة تهدد الرسوم الجمركية الأمريكية

وفي تقرير حديث بعنوان “لماذا سيخسر ترامب مجددًا في الطعن الجديد على رسومه الجمركية”. يرى آلان و. إم. وولف، الباحث الأول في معهد بيترسون، أن أحدث الإجراءات الجمركية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية قد تواجه مصيرًا مشابهًا لإجراءات سابقة أبطلتها المحاكم.

وبحسب وولف، تقدمت 25 ولاية أمريكية إلى جانب عدد من الشركات المتضررة بطعن على الرسوم المفروضة على واردات من 60 دولة. على أساس أن هذه الدول من المرجح أنها لم تتخذ إجراءات كافية لمنع دخول سلع منتجة باستخدام العمل القسري.

وأوضح الباحث أن الأساس القانوني الذي تستند إليه الإدارة لفرض هذه الرسوم يواجه نقاط ضعف كبيرة، بما قد يجعله عرضة للإلغاء أمام القضاء.

ويأتي هذا الطعن في أعقاب سلسلة من المحاولات التي أجرتها الإدارة الأمريكية لإيجاد أسس قانونية بديلة للرسوم واسعة النطاق. بعد تعرض إجراءات سابقة للإبطال القضائي.

الإدارة تبحث عن أساس قانوني بديل

كانت المحكمة العليا الأمريكية قد أبطلت في وقت سابق الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترامب استنادًا إلى إعلان حالة طوارئ. ما دفع الإدارة إلى البحث عن أدوات قانونية أخرى للإبقاء على سياستها الجمركية.

وبعد رفض مبرر آخر يتعلق بميزان المدفوعات من جانب محكمة التجارة الدولية الأمريكية، اتجه المسؤولون إلى استخدام المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974. وقدموا الرسوم الجديدة باعتبارها إجراءً يستهدف معالجة المخاوف المتعلقة بالعمل القسري.

لكن وولف يرى أن هذا التبرير لا يوفر أساسًا قويًا للدفاع عن الإجراءات أمام القضاء.

وأشار إلى أن الدعوى، التي انضمت إليها شركات متضررة من الرسوم، تمتلك فرصًا للنجاح استنادًا إلى مجموعة من الحجج القانونية. معتبرًا أن الاستناد إلى قضية العمل القسري لتبرير فرض رسوم واسعة النطاق غير مقنع.

انتقادات لطريقة فرض الرسوم

يركز أحد أبرز أوجه الاعتراض على اتساع نطاق الرسوم الجمركية وتطبيقها بصورة موحدة على عدد كبير من الدول.

وقال وولف إن السياسة لم تميز بصورة كافية بين الدول وفقًا لمدى التزام كل منها بمكافحة العمل القسري. رغم اختلاف الظروف والممارسات من دولة إلى أخرى.

وأضاف أن التحقيقات التي استندت إليها الإدارة في صياغة هذه السياسة تمت بسرعة. ما أدى إلى معاملة دول مختلفة وفق نهج متقارب رغم تفاوت أوضاعها الفعلية.

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى المصنعين والمستوردين وتجار التجزئة، في ظل التداعيات المحتملة للرسوم على تكاليف سلاسل الإمداد.

وتدفع الولايات المشاركة في الطعن بأن الرسوم تؤدي إلى رفع تكلفة السلع المستوردة. كما تزيد تكاليف المنتجات المصنعة داخل الولايات المتحدة عندما تعتمد الشركات المحلية على مدخلات مستوردة.

وفي حال قضت المحاكم مجددًا بأن الإدارة التنفيذية تجاوزت حدود صلاحياتها، فقد تدخل الشركات في مرحلة جديدة من عدم اليقين. بالتزامن مع استمرار إعادة تشكيل السياسة التجارية الأمريكية.

ميركوسور في مواجهة ضغوط أمريكية متزايدة

وفي الوقت الذي يركز فيه تحليل وولف على الجانب القانوني الداخلي، تسلط دراسة أخرى أعدتها مونيكا دي بول، الباحثة الأولى في معهد بيترسون، الضوء على التداعيات الدولية للسياسة التجارية الأمريكية. ولا سيما تأثيرها في ميركوسور (Mercosur).

ويضم التكتل التجاري في أمريكا الجنوبية الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي. ويعد أحد أبرز مشروعات التكامل الاقتصادي في المنطقة.

وفي تقرير بعنوان “ميركوسور معرض للخطر بسبب الرسوم الجمركية والسياسة الأمريكية”، أوضح دي بول أن التكتل يواجه ضغوطًا متزامنة من الداخل والخارج. في ظل تصاعد التوترات السياسية بين الدول الأعضاء وتزايد الضغوط التجارية الدولية.

ولفتت إلى أن ميركوسور ساهم، منذ تأسيسه بموجب معاهدة أسونسيون قبل أكثر من ثلاثة عقود. في تعزيز التجارة الإقليمية وبناء قاعدة صناعية أكثر تكاملًا بين أعضائه.

ورغم المشكلات الاقتصادية التي واجهها التكتل على مدار السنوات، ترى دي بول أنه لا يزال يحتفظ بأهمية استراتيجية كبيرة.

تماسك التكتل مهدد بالخلافات الداخلية

وأكدت دي بول أن استمرار ميركوسور يمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة دوله الأعضاء على التفاوض مع الشركاء التجاريين من مختلف أنحاء العالم.

إلا أن العلاقات بين أكبر اقتصادين في التكتل، البرازيل والأرجنتين، شهدت تدهورًا سياسيًا ملحوظًا.

وأرجعت الدراسة جانبًا من هذا التوتر إلى الخلافات المتكررة بين الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. والتي شملت مواقف متباينة بشأن قضايا سياسية داخلية، إلى جانب إعلان مواقف داعمة لخصوم سياسيين.

وأدى ذلك إلى تراجع مستوى الثقة بين البلدين. في وقت تحتاج فيه دول التكتل إلى مزيد من التنسيق لمواجهة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

الرسوم الأمريكية تزيد الانقسامات

ونوهت دي بول أن السياسة التجارية الأمريكية أسهمت في تعقيد الوضع داخل ميركوسور. إلى جانب تصاعد المنافسة على النفوذ الاقتصادي بين الصين والولايات المتحدة.

وتحذر من أن تداخل الضغوط السياسية والرسوم الجمركية الأمريكية مع المنافسة الصينية الأمريكية قد يتحول إلى عامل يهدد تماسك التكتل واستمراره.

ولا تقتصر المخاطر على العلاقات السياسية، إذ تعمل دول ميركوسور في الوقت نفسه على تنويع أسواقها وإقامة علاقات تجارية جديدة. في محاولة للتكيف مع بيئة تجارية عالمية أكثر انقسامًا.

ومن شأن استمرار الخلافات الداخلية أن يضعف قدرة دول التكتل على التفاوض بشكل جماعي. ويحد من قدرتها على الاستفادة من قوتها الاقتصادية المشتركة في مواجهة المنافسة الدولية على الأسواق والنفوذ.

السياسة التجارية تتجاوز حدود الرسوم

تسلط الدراستان الصادرتان عن معهد بيترسون الضوء على التأثيرات المتعددة الأبعاد للسياسة التجارية الأمريكية الحالية.

فعلى المستوى الداخلي، تواجه الرسوم الجمركية الجديدة طعونًا قضائية من جانب الولايات والشركات. إلى جانب انتقادات من خبراء قانون التجارة بشأن الأساس القانوني الذي تستند إليه الإدارة.

أما على المستوى الدولي، فتؤثر هذه السياسة في العلاقات بين الولايات المتحدة وشركائها. وتعيد تشكيل التوازنات التجارية والجيوسياسية في مناطق مختلفة من العالم.

وحذر التحليلان من أن الإجراءات التي تستهدف تحقيق أهداف اقتصادية أمريكية قد تؤدي في المقابل إلى نتائج غير مقصودة. سواء من خلال إضعاف العلاقات التجارية أو زيادة الضغوط على التكتلات الاقتصادية القائمة.

وبالنسبة إلى قطاع الصناعة وسلاسل الإمداد العالمية، تعني هذه التطورات أن السياسة التجارية لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية وتكاليف الاستيراد، بل أصبحت مرتبطة بصورة وثيقة بالقضايا القانونية والدستورية، والعلاقات الدبلوماسية، والتنافس الجيوسياسي.

ومع استمرار واشنطن في إعادة صياغة أدواتها التجارية، ستظل الشركات والمصنعون والمستوردون أمام بيئة أكثر تقلبًا. تتطلب متابعة مستمرة للتغيرات القانونية والسياسية وتأثيرها المحتمل على حركة التجارة وسلاسل الإمداد.