“ClassNK”: مستقبل السلامة البحرية يتطلب دمج الخبرة البشرية مع التكنولوجيا

مستقبل السلامة البحرية

يرى أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في ClassNK، وهي هيئة تصنيف بحري يابانية، أن مستقبل السلامة البحرية لن يتحدد بالاختيار بين العنصر البشري والتكنولوجيا. وإنما بمدى نجاح القطاع في الجمع بين قدرات كل منهما، بحيث تدعم التكنولوجيا الحكم المهني للعاملين بدلًا من أن تحل محله.

وأكد الكابتن ناوكي سايتو؛ المدير العام ورئيس قسم أنظمة إدارة الأمن السيبراني للسفن في ClassNK، أن الإجراءات الإلزامية تظل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على مستويات متسقة من السلامة البحرية. إلى جانب دورها في نقل المعرفة والخبرات التشغيلية وتحديد المسؤوليات بوضوح.

وأوضح، في أحدث تقرير صادر عن الهيئة، أن ظروف التشغيل الفعلية تختلف كثيرًا عن السيناريوهات المتوقعة.إذ قد تواجه السفن تغيرات مفاجئة في الطقس، أو أعطالًا في المعدات، أو نقصًا في المعلومات، أو تعارضًا بين الأولويات التجارية والتشغيلية.

وفي مثل هذه الحالات، لا تكفي الإجراءات وحدها. بل يحتاج العاملون على متن السفن وفي إداراتها البرية إلى الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع الظروف غير المتوقعة.

وقال “سايتو” إن السفينة قد تستوفي المتطلبات الرسمية، بينما يظل أداؤها الفعلي ضعيفًا. كما يمكن للشركة أن تفي بمتطلبات التوثيق دون أن تتمكن من اكتشاف نقاط الضعف الموجودة في عملياتها اليومية.

التكنولوجيا تعزز القدرة على اكتشاف المخاطر

ومع التوسع في استخدام البيانات التشغيلية في الوقت الفعلي، أصبحت لدى القطاع قدرة أكبر على رؤية الأداء الفعلي للسفن وتحليل التغيرات التي قد تشير إلى مخاطر ناشئة.

ويمكن للبيانات المتعلقة بأداء المعدات وإدارة الإنذارات والصيانة وتنفيذ الرحلات والأنشطة المرتبطة بالسلامة أن تكشف أنماطًا مبكرة تساعد الشركات على التدخل قبل تطور المشكلات إلى حوادث.

كما يتيح الذكاء الاصطناعي تحليل كميات كبيرة من البيانات والتعرف على الأنماط التي قد يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية، إلا أن هذه القدرات لا تعني نقل مسؤولية السلامة إلى الخوارزميات.

ويؤكد سايتو أن التكنولوجيا يمكنها توفير معلومات أفضل وتقليل حالة عدم اليقين. لكنها لا تستطيع توقع كل موقف تشغيلي محتمل أو فهم السياق الكامل لكل قرار.

ولهذا، تظل القدرة على تفسير المعلومات، والموازنة بين الأولويات المتعارضة، واتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته عناصر بشرية أساسية.

ثقافة السلامة تتجاوز مجرد الالتزام بالإجراءات

ويرتبط ذلك بالحاجة إلى تطوير ثقافة مؤسسية للسلامة لا تكتفي بالتأكد من وجود الإجراءات. وإنما تشجع العاملين على اكتشاف المشكلات المتكررة ومعالجتها والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحوادث والحوادث الوشيكة.

ويشير “سايتو” إلى أن العنصر البشري غالبًا ما ينظر إليه باعتباره أحد مصادر المخاطر بسبب الإرهاق وسوء التواصل وسوء الفهم وضعف اتخاذ القرار. إلا أن البشر يمثلون في الوقت نفسه أحد أهم أسباب منع الحوادث.

فالعاملون ذوو الخبرة يستطيعون اكتشاف التغيرات الدقيقة، والتشكيك في المعلومات غير المتوقعة، والتكيف عندما لا تكون الإجراءات كافية. والتعامل مع ظروف لم يكن من الممكن لمصممي الأنظمة توقعها مسبقًا.

وبالتالي، فإن الإجراءات توفر الاتساق، بينما توفر الخبرة البشرية القدرة على التكيف والصمود أمام الظروف غير المتوقعة.

من الامتثال إلى قياس فاعلية السلامة

وأوضح “سايتو” أن نضج المؤسسة لا يقاس بحجم الوثائق التي تمتلكها، وإنما بقدرة العاملين فيها على فهم الهدف من الإجراءات. وإدراك متى تتغير الظروف، والاستجابة بصورة مناسبة مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في السلامة.

ولم يعد كافيًا إثبات أن الشركة تمتلك نظامًا موثقًا لإدارة السلامة. إذ أصبح من الضروري إظهار أن هذا النظام يحقق النتائج المستهدفة من خلال السلوك التشغيلي والتعلم المستمر.

ويشمل ذلك القدرة على اكتشاف مؤشرات الإنذار المبكر قبل تحولها إلى حوادث خطيرة. وقياس التحسينات التي تحققت بعد تنفيذ الإجراءات التصحيحية.

الرقمنة لا تلغي الحاجة إلى التفتيش

وفي الوقت نفسه، أتاحت المراقبة المستمرة والبيانات التشغيلية إمكانية رصد اتجاهات قد لا تظهر خلال عمليات التفتيش التقليدية التي تتم في نقطة زمنية محددة.

ويمكن لزيادة الشفافية في البيانات التشغيلية أن تعزز الثقة بين مالكي السفن ومديريها والمستأجرين وشركات التأمين والجهات التنظيمية وهيئات التصنيف. كما تتيح تحديد المخاطر على مستوى القطاع بصورة أفضل.

لكن “سايتو” يحذر من أن الرؤية المستمرة لا تكفي وحدها لتحقيق السلامة. إذ لا بد من تفسير البيانات واتخاذ القرارات والتواصل بشأنها وتحمل مسؤوليتها.

كما أن الاعتماد المفرط على التوصيات الآلية قد يؤدي إلى تراجع قدرة العاملين على اتخاذ القرارات بصورة مستقلة. خاصة إذا لم تمارس المهارات المهنية بصورة منتظمة.

وقد يصبح العامل أقل ميلًا إلى التشكيك في النظام حتى عندما تشير خبرته إلى وجود مشكلة. ما قد يؤدي إلى خلق شعور زائف بأن مسؤولية القرار انتقلت من الإنسان إلى التكنولوجيا.

ولهذا، يتطلب التحول الرقمي مزيدًا من الاهتمام بالتدريب والمحاكاة وتقييم الكفاءة والخبرة العملية، وليس العكس.

الجمع بين البيانات والتفتيش الميداني

وأكد “سايتو” أن عمليات التفتيش المادي ستظل ضرورية، ليس فقط لأنها توفر معلومات لا يمكن الحصول عليها من البيانات عن بعد. ولكن أيضًا لأنها تتيح للمفتشين اختبار الافتراضات واكتشاف مشكلات قد لا تكون ظاهرة في المؤشرات الرقمية.

ومن هنا، فإن مستقبل إدارة السلامة البحرية يعتمد على الجمع بين الإجراءات والمعايير الرسمية، والتحليل المستمر للبيانات. والرقابة البشرية والخبرة الميدانية.

فاللوائح والمعايير توفر حدًا أدنى مشتركًا من السلامة، وتضمن الاتساق وقابلية المقارنة والمساءلة. إلا أن الامتثال الرسمي يجب أن يعتبر خط الأساس وليس الهدف النهائي.

كما أن أداء السفينة يتغير بين عمليات التفتيش نتيجة تغير أطقم العمل وحالة المعدات وأعباء العمل وأنماط التشغيل والأولويات التجارية. وهو ما يجعل من الصعب على عملية تفتيش واحدة أن تعكس الصورة الكاملة للأداء التشغيلي.

نحو نموذج جديد للتدقيق البحري

وقال “سايتو” إن العقد المقبل قد يشهد تحولًا جوهريًا في مفهوم التدقيق البحري. مع انتقال القطاع تدريجيًا من مراجعة الوثائق وعمليات التفتيش الدورية إلى مراقبة مستمرة للأداء التشغيلي.

واعتبر أن هذا التحول يدعم نماذج أكثر اعتمادًا على المخاطر، بحيث تحصل السفن التي تتمتع بأداء مستقر على مستوى مختلف من المتابعة. بينما توجه موارد التفتيش بصورة أكبر إلى السفن التي تظهر مؤشرات غير معتادة أو تدهورًا في الأداء أو أوجه قصور متكررة.

وفي هذا النموذج، تعمل البيانات الرقمية والتفتيش الميداني بصورة متكاملة، بحيث تساعد المراقبة المستمرة على تحديد أماكن الخطر. بينما يوفر التفتيش البشري السياق والخبرة اللازمة لفهم تلك المخاطر والتعامل معها.

وبحسب “سايتو”، فإن مستقبل السلامة البحرية لا يتعلق بزيادة حجم الرقابة فحسب. وإنما بقدرة القطاع على فهم المخاطر في وقت مبكر، والاستجابة لها بفاعلية، والتعلم المستمر منها.