الطاقة النووية تدخل سباق إزالة الكربون البحري

الطاقة النووية

يتزايد اهتمام قطاع النقل البحري باستخدام الطاقة النووية في تشغيل السفن. مع بحث الصناعة عن حلول قادرة على دعم هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية.

وفي هذا السياق، تتنامى جهود الحكومات والجهات التنظيمية ومطوري المفاعلات وأحواض بناء السفن وملاك السفن لمعالجة التحديات الفنية والتنظيمية والتجارية. التي قد تحدد مستقبل الدفع النووي في القطاع البحري.

وظهر هذا التوجه بوضوح خلال معرض Posidonia 2026. عندما جمعت Lloyd’s Register (LR) ممثلين بارزين عن قطاعي النقل البحري والطاقة النووية في مائدة مستديرة رفيعة المستوى

وركزت على الخطوات العملية المطلوبة لجعل تشغيل السفن التجارية بالطاقة النووية خيارًا آمنًا وقابلًا للتطبيق التجاري. بحسب التقرير الذي نشره موقع “hellenicshippingnews” الملاحي اليوناني اليوم.

التنظيم يسبق نضج التكنولوجيا

ركزت المناقشات على ثلاثة محاور رئيسية، هي الإطار التنظيمي والجدوى التجارية والتنفيذ الفني. بمشاركة ملاك السفن ومطوري المفاعلات والجهات التنظيمية والهيئات الصناعية.

وبرزت الحاجة إلى تطوير إطار تنظيمي دولي قادر على مواكبة التطورات التكنولوجية باعتبارها إحدى أهم نتائج المناقشات. بحيث يبدأ وضع القواعد والمعايير بالتوازي مع تطور المفاعلات، بدلًا من انتظار وصول التكنولوجيا إلى مرحلة النضج الكامل.

وقالت Karine Herviou، نائب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، إن تحقيق قدر أكبر من اليقين التنظيمي أصبح أكثر أهمية مع استمرار تطور تقنيات المفاعلات.

وأكدت أن وجود إطار دولي واضح يمكن أن يوفر قدرًا أكبر من القدرة على التنبؤ بالمتطلبات التنظيمية. ما يعد عنصرًا أساسيًا أمام المستثمرين والمشغلين الراغبين في دراسة استخدام الطاقة النووية في السفن التجارية.

كما شدد المشاركون على ضرورة التعاون المبكر بين قطاعي النقل البحري والطاقة النووية. باعتبار أن تطوير هذا النوع من السفن يتطلب تنسيقًا وثيقًا بين الجهات التنظيمية ومطوري التكنولوجيا والمشغلين منذ المراحل الأولى.

وقال Nick Brown، الرئيس التنفيذي لـLloyd’s Register، إن التطور السريع في تقنيات المفاعلات يؤكد الحاجة إلى الإسراع في بناء الأطر التنظيمية اللازمة. خاصة مع اقتراب المفاعلات المعيارية الصغيرة من مراحل التشغيل الحرج.

تطور سريع في المفاعلات المتقدمة

وتأكدت سرعة التطورات التكنولوجية في هذا المجال من خلال شركة Deployable Energy. التي نجح مفاعلها التجريبي Unity في الوصول إلى حالة الحرجية داخل مختبر أيداهو الوطني في مطلع يوليو.

وتمكنت الشركة من تطوير المفاعل خلال عامين فقط. كما حصلت على طلبات لتوريد 500 وحدة سنويًا لتطبيقات مراكز البيانات خلال الفترة من 2030 إلى 2035.

وقدمت LR Advisory دعمًا لتطوير Unity Nuclear Battery. فيما تواصل العمل مع Deployable Energy لدراسة إمكانية توظيف المفاعلات الدقيقة المتقدمة في التطبيقات البحرية.

وأشار براون إلى أن مبادرات مثل Atomic Technologies Licensed for Applications at Sea (ATLAS) وUK Maritime Nuclear Consortium وNEMO ستكون ذات أهمية متزايدة بالنسبة لقطاع النقل البحري. من أجل إنشاء مسار واضح للانتقال من تطوير التكنولوجيا إلى تطبيقها وتوسيع نطاق استخدامها.

الاقتصاديات التجارية تحت الاختبار

لا تقتصر المناقشات على الجوانب الفنية والتنظيمية، إذ يبحث القطاع أيضًا في الجدوى الاقتصادية للسفن العاملة بالطاقة النووية.

وتشمل هذه الدراسات نماذج التمويل والاستثمار، والتكاليف التشغيلية، والاقتصاديات طويلة الأجل. إلى جانب المزايا التنافسية التي يمكن أن يحصل عليها المستخدمون الأوائل لهذه التكنولوجيا.

ورغم استمرار وجود تحديات كبيرة أمام انتشار الدفع النووي تجاريًا. فإن المناقشات الأخيرة تعكس استعدادًا متزايدًا لدراسة الطاقة النووية باعتبارها أحد المسارات المحتملة إلى جانب أنواع الوقود الأخرى منخفضة أو عديمة الكربون خلال العقود المقبلة.

وتحتل مبادرة ATLAS موقعًا محوريًا في هذه الجهود، إذ تستهدف تطوير إطار آمن وواضح لاستخدام التقنيات النووية المدنية في التطبيقات البحرية. مع التركيز على ملفات التنظيم والسلامة وضمان الجودة.

IMO تسرع العمل على المدونة النووية

يتزامن ذلك مع تحرك على المستوى الدولي من خلال المنظمة البحرية الدولية (IMO).

وخلال ورشة NEMO التي عقدت في وقت سابق من الشهر، أعلنت المنظمة أنها تتوقع اعتماد مدونة نووية جديدة في عام 2032. أي قبل الموعد الذي كان متوقعًا سابقًا بأربع سنوات.

ويعكس تقديم موعد اعتماد المدونة تسارع الجهود الدولية لتطوير الإطار التنظيمي اللازم بالتوازي مع التطورات المتسارعة في تقنيات المفاعلات.

مشروع لاستخدام مفاعل نووي على ناقلة سيارات

على الجانب الفني، تتقدم أيضًا دراسات اختبار إمكانية دمج المفاعلات النووية في السفن التجارية.

وخلال معرض Posidonia، أعلنت Lloyd’s Register عن مشروع تطوير مشترك مع Hyundai Heavy Industries وKorea Shipbuilding & Offshore Engineering (KSOE) وHyundai Glovis وG-Marine Service وKorea Atomic Energy Research Institute (KAERI). لدراسة استخدام مفاعل معياري صغير متقدم على متن ناقلة سيارات وشاحنات PCTC.

ويركز المشروع على إمكانية دمج مفاعل من نوع Molten Salt Reactor (MSR) في سفينة كبيرة مخصصة لنقل المركبات. مع دراسة مجموعة واسعة من الجوانب الهندسية.

وتشمل الدراسة تحديد الموقع الأمثل للمفاعل، ومتطلبات الحماية من الإشعاع، وتأثير النظام على استقرار السفينة، وترتيبات الدفع. إضافة إلى مدى تأثير التكنولوجيا في سعة الشحن.

وتأتي السلامة في مقدمة هذه الاعتبارات، إذ تقود LR أعمال تحديد المخاطر وإجراء التقييم الأولي للمخاطر. بما يشمل دراسة أنظمة الاحتواء والسلامة على متن السفينة والجوانب التشغيلية المرتبطة بالدفع النووي.

ووصل المشروع إلى مرحلة مهمة بعد حصوله على الموافقة المبدئية (Approval in Principle – AiP). التي تؤكد قابلية تطبيق المفهوم من الناحية الأولية وتوفر أساسًا لمواصلة أعمال التطوير.

وقال Sung-Gu Park، رئيس LR لمنطقة شمال شرق آسيا، إن الدفع النووي لا يزال في مرحلة مبكرة. لكن المشروع يبرز أهمية تطوير المعرفة الفنية من الآن، تمهيدًا للتوسع المحتمل في المستقبل.

وأضاف أن إثبات الجدوى على مستوى المفهوم يمثل خطوة مهمة. خاصة فيما يتعلق بتحسين سعة الشحن، وضمان استقرار السفينة، وتطوير أنظمة سلامة متكاملة.

وتوفر دراسات المفاهيم أيضًا فرصة لتقييم كيفية دمج تقنيات الطاقة النووية المستقبلية في السفن التجارية. وتحديد المتطلبات الهندسية والتشغيلية واعتبارات السلامة التي يمكن أن تؤثر في تصميم السفن العاملة بهذه التكنولوجيا.

الموانئ تستعد للمرحلة المقبلة

لا يقتصر الاستعداد للشحن النووي على السفن نفسها. إذ بدأت دراسة المتطلبات التي تحتاجها الموانئ لاستقبال السفن العاملة بالطاقة النووية بصورة منتظمة.

وفي يونيو الماضي، أصدرت Lloyd’s Register وPort of Rotterdam Authority وCORE POWER وA.P. Moller – Maersk دراسة بحثت المتطلبات اللازمة لاستقبال السفن التجارية العاملة بالطاقة النووية بشكل منتظم في ميناء روتردام.

وتناولت الدراسة مجموعة من الجوانب العملية، من بينها خطط الطوارئ والمسؤوليات التنظيمية والبنية التحتية للميناء وآليات التنسيق بين الأطراف المعنية. بهدف تحديد المتطلبات المرتبطة بزيارات السفن النووية التجارية بصورة دورية.

منظومة متكاملة للشحن النووي

أشارت هذه التطورات إلى أن مستقبل الشحن بالطاقة النووية لم يعد يقتصر على تطوير المفاعل أو تصميم السفينة. بل يتجه نحو بناء منظومة متكاملة تشمل التشريعات الدولية، والسلامة، والتكنولوجيا، والتمويل، وتصميم السفن، وتجهيز الموانئ والبنية التحتية.

ومع استمرار مبادرات ATLAS ودراسات السفن التجريبية ومشروعات الموانئ. يتسع نطاق العمل على وضع الأسس التي قد تسمح للطاقة النووية بلعب دور في النقل البحري التجاري مستقبلًا. في ظل تصاعد الضغوط للوصول إلى قطاع بحري منخفض الانبعاثات وقادر على تحقيق أهداف إزالة الكربون على المدى الطويل.