يظل الطلب، وليس الطاقة الاستيعابية المتاحة، العامل الأبرز في تحديد مسار ما تبقى من موسم ذروة الشحن لعام 2026 بالنسبة إلى المستوردين الأوروبيين.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه التحديات التشغيلية أمام قطاع النقل البحري. مع استمرار انخفاض موثوقية جداول الإبحار وتباين مستويات الأداء بين شركات النقل والتحالفات البحرية.
جاء ذلك وفقًا لتحديث سوق الحاويات الأوروبي لشهر أغسطس 2026 الصادر عن شركة Sogese S.r.l. المتخصصة في الخدمات اللوجستية للحاويات في إيطاليا.
تراجع موثوقية جداول الإبحار
ووفقًا لتقرير Global Liner Performance الصادر عن Sea-Intelligence، والذي استند إليه تحديث Sogese. تراجعت موثوقية جداول الإبحار العالمية إلى 62.6 % في يونيو الماضي، مقابل 64.5% في مايو الماضي.
ويعني ذلك أن نحو 4 من كل 10 سفن وصلت إلى الموانئ حول العالم خارج مواعيدها المعلنة. بينما بلغ متوسط تأخر السفن التي وصلت متأخرة 5.3 يوم.
كما تفاوت الأداء بصورة واضحة بين شركات النقل البحري الكبرى، إذ تصدرت Maersk قائمة أكبر 13 شركة ناقلة بمعدل موثوقية بلغ 77.1 %. تلتها Hapag-Lloyd بنسبة 75.6 %. ثم MSC بنسبة 72.1 %. في حين لم تتجاوز سوى 3 شركات مستوى 70 % على مستوى السوق ككل.
وعلى مستوى التحالفات، سجل Gemini Cooperation معدل موثوقية مرتفعًا بلغ 93.4%، مقابل 53.6 % لتحالف Premier Alliance.
وأصبح أداء الخدمة وشركة النقل عاملين أكثر أهمية بالنسبة إلى الشاحنين. في ظل اعتماد مستوى الموثوقية على المسار الذي يتم حجزه والناقل المسؤول عنه، إلى جانب الظروف التشغيلية العامة للسوق.
موسم الذروة يتحول من اختبار السعة إلى اختبار التنفيذ
ونوهت Sogese إلى أن طبيعة موسم الذروة تغيرت بصورة واضحة. إذ لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في قدرة شركات النقل على توفير أكبر قدر ممكن من الطاقة الاستيعابية. وإنما في قدرتها على تنفيذ الجداول والخطط بصورة مستقرة ومتسقة.
وقالت أندريا مونتي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لشركة Sogese، إن موسم الذروة كان في السابق اختبارًا لكمية الطاقة الاستيعابية التي تستطيع الشركة تأمينها. بينما أصبح حاليًا اختبارًا لقدرتها على التنفيذ بشكل متسق.
وأضافت أن الشركات الأفضل أداءً هذا العام لن تكون بالضرورة تلك التي تنقل أكبر عدد من الحاويات. وإنما التي تجري عددًا أقل من تعديلات التخطيط، وتعيد توزيع مخزونها في وقت مبكر، وتحافظ على الانضباط التشغيلي لفترة أطول.
ويؤدي الفرق بين الطاقة الاستيعابية المتاحة والطاقة التي يمكن الاعتماد عليها فعليًا دورًا متزايدًا في تشكيل موسم الذروة الحالي. وهو ما لا تعكسه أرقام المعروض الاسمية وحدها.
وأسهمت قرارات الشراء المبكرة، وإطالة فترات إعادة تكوين المخزون، واستمرار الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح. إلى جانب زيادة انتقائية شركات النقل في نشر طاقاتها الاستيعابية، في توزيع الطلب على فترة زمنية أطول من المعتاد.
ورغم استمرار حركة البضائع، فإن مستوى الاتساق والقدرة على التنبؤ الذي تعتمد عليه نماذج التخطيط التقليدية تراجع بشكل ملحوظ.
ضغوط تشغيلية تمتد إلى المستودعات وسلاسل الإمداد
وتنعكس هذه التطورات على مشغلي الخدمات اللوجستية، مع بقاء معدلات استخدام المستودعات مرتفعة لفترات أطول، واحتفاظ شبكات النقل بالمخزونات لفترات ممتدة.
كما أصبحت خطط النقل بحاجة إلى تعديلات أكثر تكرارًا. في الوقت الذي تقل فيه فرص فرق التخطيط لإعادة ترتيب عملياتها بين موجات الطلب المتتالية.
وبدلًا من التعامل مع موسم ذروة قصير ومركز، باتت العديد من الشركات تحافظ على مستويات مرتفعة من النشاط على مدى عدة أشهر.
أسعار الشحن تتراجع بالتزامن مع انخفاض الموثوقية
تحركت أسعار الشحن في الاتجاه نفسه الذي تراجعت فيه موثوقية الجداول.
فقد ارتفع مؤشر Drewry العالمي للحاويات (WCI) إلى 4,639 دولارًا للحاوية 40 قدمًا في 9 يوليو الماضي. وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر 2024، قبل أن يتراجع بنسبة 3 % إلى 4,255 دولارًا في 30 يوليو الماضي.
وجاء التراجع مع انخفاض الأسعار على كل من مسارات آسيا–أوروبا والمسارات عبر المحيط الهادئ.
وترى Sogese أن إدارة الطاقة الاستيعابية بصورة منضبطة كانت ستؤدي عادة إلى دعم أسعار الشحن، وليس دفعها إلى الانخفاض.
ومن ثم، فإن تراجع الأسعار بالتزامن مع انخفاض الموثوقية يشير إلى أن الطلب يتراجع بوتيرة أسرع من قدرة شركات النقل على خفض الطاقة الاستيعابية. ما يعني عدم إمكانية افتراض استمرار مستويات الأسعار الحالية.
نحو 20 % من الطاقة الاسمية لا تصل فعليًا إلى السوق
من المتوقع أن ينمو الأسطول العالمي لسفن الحاويات بنسبة تتراوح بين 5 % و6 % خلال العام الجاري.
لكن Sogese تقدر أن نحو خُمس هذه الطاقة الاسمية لا يصل فعليًا إلى السوق، نتيجة مجموعة من العوامل التشغيلية.
وتستحوذ عمليات الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح وحدها على ما يقدر بنحو 2.5 مليون TEU من الطاقة. كما تضيف ما بين أسبوع وأسبوعين إلى أوقات العبور في الخدمات المتأثرة.
وفي الوقت نفسه، يسهم خفض سرعات الإبحار والازدحام في الموانئ في معظم الفجوة المتبقية بين الطاقة الاسمية للأسطول والطاقة التي يمكن استخدامها فعليًا.
وقالت مونتي إن النظام اللوجستي الأوروبي أصبح أكثر قدرة على الصمود خلال العامين الماضيين. لكنها شددت على ضرورة عدم الخلط بين القدرة على الصمود والعودة إلى الوضع الطبيعي.
وأوضحت أن الشبكة تعمل حاليًا لأن المشغلين تكيفوا مع الظروف، وليس لأن بيئة التشغيل الأساسية تحسنت بصورة جوهرية. مشيرة إلى أن هذا التكيف يخضع الآن لاختبار جديد.
الطلب انتقل إلى وقت مبكر من العام
يشير تحديث Sogese إلى أن التغير الرئيس في السوق يتعلق بتوقيت الطلب أكثر من حجمه.
فقد سارع المستوردون إلى تقديم طلبات الشراء قبل موسم الذروة التقليدي. ما أدى إلى تركيز جزء كبير من الطلب خلال أواخر الربع الثاني وبداية الربع الثالث.
وفي ميناء روتردام، ارتفعت أحجام الحاويات العابرة للميناء في خدمات أعالي البحار بنسبة 5.2 % من حيث TEU خلال النصف الأول من 2026. مدفوعة بزيادة قدرها 8 % في الواردات من آسيا.
في المقابل، ظلت مناولة الحاويات الإجمالية مستقرة، بينما تراجعت أحجام عمليات إعادة الشحن بنسبة 20 % نتيجة قيود الطاقة الاستيعابية.
ويعني ذلك أن زيادة الطلب على المسارات الرئيسية لم تؤدي إلى نمو مماثل في إجمالي التدفقات عبر الميناء.
وأوضحت Sogese أن تقديم الطلب إلى وقت مبكر يرجع بشكل أساسي إلى حالة عدم اليقين المرتبطة بالتعريفات الجمركية والتطورات الجيوسياسية. وليس إلى ارتفاع ملموس في الاستهلاك الأساسي.
وبالتالي، تصبح عملية إعادة تكوين المخزونات خلال الربع الرابع أكثر عرضة للتراجع، مقارنة بما تفترضه خطط التخطيط الحالية، وفقًا للتقرير.












