كشفت دراسة حديثة صادرة عن DNV أن الميثان الحيوي والميثان الإلكتروني قد يشكلان أحد أهم الحلول العملية لمساعدة السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال على التكيف مع المتطلبات البيئية المتزايدة الصرامة. دون الحاجة إلى تعديلات جوهرية في المحركات أو أنظمة الوقود الحالية.
وأشارت الدراسة إلى أن قطاع الشحن يمتلك بالفعل قاعدة كبيرة من السفن القادرة على الاستفادة من هذا التحول. إذ يتجاوز عدد السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال. باستثناء ناقلات الغاز الطبيعي المسال، 800 سفينة.
إلى جانب أكثر من 600 سفينة أخرى قيد البناء أو الطلب، مستفيدة من تقنيات ناضجة وبنية تحتية قائمة ومتطورة. بحسب الدراسة التي أصدرتها DNV وهي اختصار لـ”Det Norske Veritas”> والتي تعد واحدة من أهم وأكبر هيئات التصنيف البحري وإدارة المخاطر في العالم.
السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال أمام فرصة لتمديد الامتثال البيئي
وفقًا للدراسة، تتيح اللوائح الأوروبية الحالية، وعلى رأسها لائحة FuelEU Maritime. استمرار امتثال السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال باستخدام الوقود الأحفوري حتى منتصف ثلاثينيات القرن الحالي تقريبًا. مع اختلاف الفترة الزمنية تبعًا لنوع المحرك المستخدم.
وتتمتع السفن المزودة بمحركات ثنائية الوقود عالية الضغط بقدرة أكبر على الحفاظ على الامتثال لفترات أطول مقارنة بالسفن التي تستخدم المحركات منخفضة الضغط. المنتشرة على نطاق واسع في سفن الرحلات البحرية والركاب وسفن الدحرجة.
الميثان الحيوي والإلكتروني.. بدائل جاهزة
أوضحت الدراسة، التي حملت عنوان “الميثان في قطاع الشحن”. أن أبرز مزايا الميثان الحيوي والميثان الإلكتروني تكمن في إمكانية استخدامهما مباشرة داخل السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال. دون الحاجة إلى استثمارات إضافية كبيرة أو تعديلات معقدة على أنظمة الوقود.
وأوضحت أن هذه الميزة تمنح ملاك السفن مسارًا تدريجيًا لخفض الانبعاثات الكربونية. سواء عبر مزج الوقود منخفض الانبعاثات مع الغاز الطبيعي المسال التقليدي أو التحول الكامل إليه مستقبلًا.
وأكد أويفيند سيكيساتر، كبير المستشارين في DNV والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن هذه الأنواع من الوقود قادرة على تحقيق مستويات منخفضة للغاية من الانبعاثات. بل وقد تصل إلى انبعاثات سلبية على مستوى دورة الحياة الكاملة للوقود بحسب طريقة إنتاجها.
نمو متوقع في الطلب خلال العقود المقبلة
تتوقع الدراسة ارتفاع الطلب على الميثان منخفض الانبعاثات بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة بفعل الضغوط التنظيمية المتزايدة.
ففي ظل تطبيق متطلبات FuelEU Maritime وحدها، قد يصل الطلب إلى ما بين 2 و4 ملايين طن بحلول عام 2040.
بينما يمكن أن يقفز إلى ما بين 40 و95 مليون طن إذا تم اعتماد الإطار المقترح من International Maritime Organization. لتحقيق الحياد الكربوني العالمي في قطاع الشحن.
تحديات العرض ومنافسة القطاعات الأخرى
ورغم تزايد الاهتمام بهذا النوع من الوقود، تشير الدراسة إلى أن القدرات الإنتاجية الحالية لا تزال محدودة نسبيًا.
وقد بلغ إنتاج الميثان الحيوي عالميًا نحو 7 ملايين طن خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 15 مليون طن بحلول عام 2030.
أما الميثان الإلكتروني فما يزال في مرحلة مبكرة جدًا، حيث لا تتجاوز طاقته الإنتاجية التشغيلية الحالية 0.01 مليون طن. رغم وجود مشروعات قد ترفعها إلى 0.9 مليون طن بحلول نهاية العقد.
ونوهت الدراسة إلى أن قطاع الشحن لن يكون المستهلك الوحيد لهذه الإمدادات. إذ يواجه منافسة مباشرة من قطاعات الكهرباء والنقل البري وغيرها من الصناعات الساعية إلى خفض انبعاثاتها الكربونية.
الاتفاقيات طويلة الأجل قد تصبح ضرورة إستراتيجية
وأكدت الدراسة أن ضمان الحصول على إمدادات كافية من الميثان منخفض الانبعاثات قد يتطلب من شركات الشحن تبني استراتيجيات جديدة تشمل توقيع عقود شراء طويلة الأجل. أو الدخول في شراكات مباشرة مع المنتجين. أو الاستثمار في سلاسل القيمة الخاصة بالوقود المستدام.
وقالت DNV إن إدارة الوقود لم تعد قضية تشغيلية فقط، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا يؤثر بشكل مباشر على القدرة التنافسية للسفن خلال مرحلة التحول الطاقي.
البنية التحتية الحالية تمنح القطاع ميزة مهمة
من أبرز النقاط الإيجابية التي تناولتها الدراسة أن البنية التحتية الحالية الخاصة بتزويد السفن بالغاز الطبيعي المسال يمكن استخدامها بصورة شبه مباشرة لتوزيع الميثان الحيوي والميثان الإلكتروني المسال. دون الحاجة إلى تعديلات مادية كبيرة.
لكن العقبة الرئيسية تظل اقتصادية أكثر منها تقنية، إذ بلغ سعر الميثان الحيوي المسال في روتردام بنهاية عام 2025 نحو 1860 دولارًا للطن. أي ما يقارب ثلاثة أضعاف سعر الغاز الطبيعي المسال الأحفوري.
وأشارت الدراسة إلى أن الحوافز التنظيمية الأوروبية بدأت بالفعل في تحسين القدرة التنافسية الاقتصادية لهذه الأنواع من الوقود في بعض الرحلات البحرية.
آليات جديدة لتوسيع الوصول إلى الوقود المستدام
سلطت الدراسة الضوء على أهمية نماذج “التوازن الكتلي” و”الحجز والإسناد” (Book-and-Claim). التي تسمح بتخصيص الفوائد البيئية للوقود منخفض الانبعاثات للمستخدم النهائي دون الحاجة إلى نقله فعليًا إلى موقع محدد.
وتساهم هذه الآليات في تقليل التكاليف اللوجستية وتوسيع نطاق الاستفادة من الوقود المستدام عبر شبكات الغاز القائمة. خاصة داخل أوروبا التي تسمح تشريعاتها الحالية بتطبيق هذه النماذج.
انزلاق الميثان يظل أحد أبرز التحديات
ورغم المزايا البيئية الكبيرة للغاز الطبيعي المسال وبدائله منخفضة الانبعاثات، فإن ظاهرة “انزلاق الميثان” لا تزال تمثل تحديًا رئيسيًا أمام القطاع.
ويحدث هذا الانزلاق نتيجة خروج كميات من الميثان غير المحترق من المحركات، ما يؤثر على البصمة الكربونية الإجمالية للسفينة.
واعتبرت الدراسة أن مصنعي المحركات نجحوا خلال السنوات الأخيرة في تقليص هذه الانبعاثات بشكل ملحوظ من خلال تحسين تقنيات الاحتراق وتطوير المكونات الفنية. إلى جانب الاعتماد المتزايد على القياسات الفعلية وتحسين أساليب التشغيل وإدارة الأحمال.
الغاز الطبيعي المسال قد يتحول إلى جسر نحو الشحن منخفض الانبعاثات
وأشارت الدراسة إلى أن السفن العاملة بالغاز الطبيعي المسال تمتلك فرصة حقيقية للحفاظ على أهميتها خلال مرحلة التحول الطاقي في قطاع الشحن. شرط توافر إمدادات كافية من الميثان منخفض الانبعاثات، واستمرار تطوير الأطر التنظيمية وآليات تتبع الوقود المستدام.
وذكرت DNV أن مستقبل الغاز الطبيعي المسال لن يرتبط فقط بكونه وقودًا انتقاليًا. بل بقدرته على تمهيد الطريق أمام استخدام الميثان الحيوي والميثان الإلكتروني على نطاق واسع. بما يسمح للأسطول الحالي بالتحول تدريجيًا إلى أسطول منخفض الانبعاثات دون الحاجة إلى تغييرات جذرية في البنية التحتية أو التقنيات المستخدمة.













