مجدى صادق يكتب: تحديات العمالة البحرية السعودية

العمالة البحرية

لا أحد ينكر أن العمالة البحرية في المملكة تعاني من العديد من المشاكل، وأهمها التدريب والتوظيف. وهي ضمن المشكلات والتحديات التي تواجه اليوم في العالم في ظل تقنيات الرقمنة المتسارعة والظروف الجيوسياسية البالغة السوء، للعمالة البحرية فى العالم. وهذه هي دوائر النار التي تحيط بتلك المهنة التي يتوقف عليها حركة التجارة العالمية فى العالم!

وفى ظل رؤية 2030 لتطوير قطاع النقل البحرى واللوجيستيات بالمملكة. أصبح من الضروري مواجهة تلك التحديات في ظل القوانين الجديدة لتسجيل العلم، فهناك فجوات متباينة بين متطلبات التشغيل والخبرات لدى خريجى كليات وأكاديميات التعليم البحرى الست. إذ تتطلب شهادات الحتميات وخبرات عملية طويلة في أعالي البحار. فأغلب الكوادر الوطنية الشابة تكون في بداية الطريق، والشركات الملاحية بكل تأكيد تتردد وتتهرب من تحمل تكاليف فترة التدريب الطويلة لهؤلاء الخريجين.

بل وأصبحت العمالة الوافدة أو الأجنبية تزاحم العمالة السعودية، إذ يعتمد قطاع النقل البحري العالمي على عمالة خاصة من جنوب شرق آسيا في الأغلب. وهي التي تقبل بأجور منخفضة وساعات عمل مرنة جدًا. مما يجعل توظيف البحار الأجنبى أقل بكثير عبئًا ماليًا على الشركات الملاحية مقارنة بتكلفة البحار السعودى مثلًا!

طبيعة العمل البحري

ولأن طبيعة العمل البحري أكثر من شاقة، وتتطلب الغياب عن الأسرة لشهور. يرصد خبراء الموارد البشرية ميلًا لدى بعض الكوادر الوطنية للانتقال إلى وظائف إدارية أو هندسية على اليابسة بمجرد الحصول على عرض مالي أفضل. مما يدفع ملاك السفن لتفضيل العمالة الأجنبية لضمان استقرار الطاقم طوال فترة الرحلة. بل هناك من يحاول استغلال فرصة العمل على متن سفينة للهروب، مثلما حدث مع صاحب سفن مصرية ورفضه لتعيين مصريين على متنها. حيث تعرض لأكثر من محاولة هروب ودخول إلى أمريكا، حتى إن سلطات الميناء في أي ميناء أمريكي تطالب الشركة المالكة بالاتفاق مع شركة أمن أمريكية إذا كان على متن السفينة بحارة يحملون الجنسية المصرية لمنع هروبهم (!) داخل الولايات المتحدة حين تدخل سفنها أي موانئ أمريكية!

كما أن الفجوات التشريعية السابقة قبل التعديلات الأخيرة (مثل المرسوم الملكي م/44 الصادر عام 1447هـ/2026م)، كانت هناك ثغرات فى شمولية نظام العمل لبعض فئات العمالة البحرية (مثل من يعملون على سفن تقل حمولتها عن 500 طن)، مما حد من جاذبية القطاع قانونيًا واستقرار الأمان الوظيفي فيه.

النظام البحري التجاري السعودي

رغم أن النظام البحري التجاري السعودي يلزم أي سفينة مسجلة تحمل الجنسية السعودية برفع العلم الوطني. وبالتالي يفرض عقوبات وغرامات صارمة (تصل من 100 ألف إلى مليون ريال) على المخالفين أو من يستغل العلم دون تسجيل نظامي. فالسفينة التى ترفع العلم السعودي تخضع بالكامل للأنظمة التشريعية للمملكة. بما فى ذلك “لائحة تنظيم عقد العمل البحري” ونسب التوطين المفروضة من وزارة الموارد البشرية والهيئة العامة للنقل. وهذا دور البورت ستيت أو سلطة الميناء. إذ يسهل على مندوبي التفتيش البحري فرض الرقابة الصارمة على الطواقم والتأكد من وجود بحارة سعوديين مؤهلين على متن هذه السفن. مما يخلق طلبًا إجباريًا ومباشرًا على الكادر الوطني.

هنا تكمن المشكلة!

المشكلة تكمن في أن بعض الملاك السعوديين قد يلجأون إلى “أعلام المواءمة” بتسجيل سفنهم في دول أخرى ذات قيود وتشريعات مرنة وأجور منخفضة، للتهرب من شروط التوطين. وبالتالي تظل السفن التي ترفع العلم السعودى الفعلى غير كافية لاستيعاب كافة الخريجين، ما لم تصاحبها حوافز استثمارية جاذبة للتسجيل تحت العلم الوطني!

أيضًا من الضروري تفعيل التعديلات الحديثة لنظام العمل، بتطبيق بنود المرسوم الملكي الأخير الذي أخضع جميع فئات العمالة البحرية (بغض النظر عن حمولة السفينة) لنظام العمل. بضمان الحقوق لجعل البيئة البحرية بيئة جاذبة ومستقرة قانونيًا.

ويجب تغليظ العقوبة على السعودة الوهمية، بتشديد الرقابة عبر المنصات الإلكترونية المعتمدة لتوثيق عقود العمل، وضمان أن البحار السعودي يمارس مهامه فعليًا فى البحر. وليس مجرد اسم على الورق لاستيفاء نسب “نطاقات”!

في إطار الحلول المطروحة

ويمكن في إطار الحلول المطروحة لمواجهة تلك التحديات إطلاق مبادرة من صندوق تنمية الموارد البشرية بتحمل جزء من رواتب البحارة السعوديين في السنوات الثلاث الأولى، أو تحمل تكلفة الساعات البحرية المعتمدة المطلوبة للحصول على شهادة (CoC).

ويمكن أيضًا تقديم حوافز لملاك السفن، على غرار التجربة البنمية وغيرها. بتقديم تسهيلات في الرسوم المرفئية واللوجيستية بالموانئ السعودية للشركات التي ترفع العلم السعودي وتحقق نسب توطين مرتفعة في الطواقم، سواء القيادية أو الهندسية وغيرها.

وأعتقد أنه من اليسير لدى الكليات البحرية السعودية (يوجد 6 جهات تعليمية وتدريبية معتمدة داخل المملكة) عمل اتفاقيات إلزامية مع التحالفات الملاحية الكبرى لإلحاق طلابها بفترات تدريب إجبارى على متن سفنهم كجزء من متطلبات التخرج. أو يكون لدى البعض من تلك الكليات العريقة سفينة تدريب لتدريب كوادرهم وخريجيهم!

خاصة وأن إجمالى عدد البحارة السعوديين المسجلين يقترب من ثلاثة آلاف بحار. حيث يدخل السوق البحري نحو 572 كادرًا وطنيًا جديدًا في مختلف الرتب والوظائف النوعية. حيث يتخرج من تلك الجهات ما بين 300 إلى 500 خريج سنويًا في تخصصات الضباط والمهندسين والتقنيين البحريين. وهؤلاء ببساطة يمكن إعدادهم وتدريبهم وتأهيلهم واستيعابهم لسوق العمل، سواء فى المملكة أو خارجها. بما يمنح العمالة البحرية السعودية سمعة طيبة دولية في ظل الطفرة السعودية في مجال الموانئ والخدمات اللوجيستية واستقطاب خطوط الشحن العالمية إلى موانئها، فهل نبدأ من الآن؟!