رغم التحول الرقمي الواسع الذي شهده قطاع النقل البحري خلال السنوات الأخيرة. لا تزال إدارة تكاليف الموانئ تمثل إحدى أكثر العمليات اعتمادًا على الأساليب التقليدية داخل شركات الشحن.
في حين تعد هذه التكاليف ثاني أكبر بند إنفاق بعد الوقود.
جاء ذلك بحسب أحدث تقرير شركة HarborLab المتخصصة في إدارة ومراجعة حسابات الموانئ.
أنظمة متطورة للوقود والأساطيل.. وإكسل لإدارة رسوم الموانئ
نجحت شركات الشحن في رقمنة العديد من العمليات التشغيلية، بدءًا من تخطيط الرحلات واستهلاك الوقود.
ومرورًا بإدارة الأطقم والصيانة وتمركز الأساطيل، وصولًا إلى استخدام تحليلات البيانات في المشتريات وإدارة المخاطر.
إلا أن إدارة مصروفات الموانئ ما زالت تعتمد في كثير من الحالات على جداول البيانات وسلاسل البريد الإلكتروني والمراجعات اليدوية، بحسب التقرير.
ويعود ذلك إلى الطبيعة المعقدة لرسوم الموانئ. حيث تتطلب كل زيارة تنسيقًا مع عدد كبير من الجهات. تشمل سلطات الموانئ، والمرشدين البحريين، وقاطرات السحب.
بالإضافة إلى شركات الشحن والتفريغ، ووكلاء الجمارك، وموردي الوقود، وشركات الإصلاح، وكذلك الجهات التنظيمية المختلفة، ولكل منها رسومها وإجراءاتها الخاصة.
آلاف الحسابات السنوية وعبء إداري متزايد
تتضاعف التحديات مع حجم العمل الكبير المرتبط بالزيارات المينائية. إذ يمكن أن تنتج عن زيارة واحدة عشرات الرسوم المختلفة، وفقًا للتقرير.
وبالنسبة لشركة تدير عشرات السفن على خطوط ملاحية نشطة. قد يصل عدد حسابات المصروفات السنوية إلى آلاف الحسابات التي تتطلب التسجيل والتصنيف والمطابقة مع المستندات والفواتير وتسويتها قبل السداد.
وفي ظل الاعتماد على المعالجة اليدوية تتحول هذه العمليات إلى عبء إداري كبير يستهلك الوقت والموارد. ويزيد احتمالات الأخطاء المحاسبية أو تمرير رسوم غير دقيقة دون اكتشافها.
غياب المعايير الموحدة يعقد المهمة
وأشار التقرير إلى أن الوضع يزداد تعقيدًا بسبب عدم وجود هيكل موحد لرسوم الموانئ عالميًا. إذ تختلف التكاليف بصورة كبيرة بين ميناء وآخر، وأحيانًا بين مزودي الخدمة داخل الميناء نفسه.
كما أن العديد من الفواتير تفتقر إلى تفاصيل كافية تسمح بالتحقق من دقتها أو مقارنة أسعارها بالسوق.
وتبرز كذلك مشكلة الرسوم المتأخرة التي قد تظهر بعد أسابيع أو أشهر من مغادرة السفينة للميناء. مثل: رسوم الازدحام أو إيجار المعدات أو متطلبات الامتثال التنظيمي. ما يجعل مراجعتها أو الاعتراض عليها أكثر صعوبة.
أزمة البحر الأحمر كشفت نقاط الضعف
أظهرت أزمة البحر الأحمر خلال عامي 2024 و2025 حجم التحديات المرتبطة بإدارة تكاليف الموانئ. بعدما اضطرت السفن إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح.
وهذا أدى إلى زيادة عدد التوقفات المينائية والتعامل مع وكلاء جدد وارتفاع حجم حسابات المصروفات.
وفي تلك الظروف واجهت الشركات التي تعتمد على الأنظمة التقليدية ضغوطًا تشغيلية وإدارية كبيرة. بالتزامن مع تعرض هوامش الربحية لمزيد من الضغوط نتيجة ارتفاع التكاليف.
ثلاثة عوامل تدفع نحو التحول الرقمي
وقالت شركة HarborLab في تقريرها إن هناك ثلاثة عوامل رئيسة تدفع القطاع نحو تسريع التحول الرقمي في هذا المجال.
ويتمثل أول هذه العوامل في الحاجة إلى تحسين الربحية في ظل أسواق شحن أكثر تنافسية. حيث أصبحت تكاليف الموانئ عنصرًا مؤثرًا بشكل مباشر في نتائج الرحلات البحرية.
أما العامل الثاني فيرتبط بتوسع حجم العمليات وتعقيدها دون زيادة موازية في الموارد البشرية. ما يجعل الأتمتة ضرورة تشغيلية للحفاظ على الكفاءة.
في حين يتمثل العامل الثالث في الحاجة إلى تقديرات دقيقة لتكاليف الموانئ قبل إبرام عقود الشحن. بما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات تجارية أكثر دقة وربحية.
الذكاء الاصطناعي يحقق وفورات ملموسة
تشير HarborLab إلى أن الحلول الرقمية الحديثة قادرة على مراجعة حسابات الموانئ آليًا ومقارنتها بالتعريفات الرسمية وبيانات السوق. ما يساعد على اكتشاف الرسوم الزائدة أو غير المبررة بصورة أسرع وأكثر دقة.
وتقدر الشركة متوسط الوفورات الناتجة عن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراجعة حسابات الموانئ بنحو 700 دولار لكل زيارة مينائية.
وفي تجربة عملية أجرتها الشركة على أسطول مقسم إلى مجموعتين لمدة ثلاثة أشهر، تمكّن مزود تقليدي لخدمات مراجعة الحسابات من استرداد نحو 70 ألف دولار من الرسوم الزائدة.
بينما نجحت منصة HarborLab الرقمية في استرداد نحو 220 ألف دولار خلال الفترة نفسها وعلى حجم العمليات ذاته، بحسب التقرير.
سباق جديد لتعزيز الكفاءة التشغيلية
يرى خبراء القطاع أن إدارة تكاليف الموانئ أصبحت إحدى الجبهات الجديدة للتحول الرقمي في صناعة الشحن البحري.
ومع تزايد الاعتماد على البيانات والأتمتة في مختلف الأنشطة التشغيلية. تبدو الشركات التي تستثمر مبكرًا في الرقمنة والذكاء الاصطناعي أكثر قدرة على تحقيق وفورات مالية وتحسين كفاءتها التشغيلية.
وفي المقابل قد تواجه الشركات التي تؤجل هذا التحول صعوبة متزايدة في مجاراة المنافسة. مع اتساع فجوة الكفاءة التشغيلية بين المؤسسات الرقمية وتلك التي لا تزال تعتمد على الأساليب التقليدية.












