كتب- مجدي صادق
تمثل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين خلال الفترة من 13 إلى 15 من مايو الجاري أهمية كبرى، باعتبارها أول زيارة لرئيس أمريكي إلى بكين منذ عام 2017. وتأتي الزيارة في ظل ظروف جيوسياسية بالغة التعقيد، وما تشهده المنطقة من إعادة تموضع جيوإستراتيجي متسارع.
وبالطبع تتصدر الحرب في إيران طاولة المباحثات؛ إذ يسعى الجانبان إلى تجنب تصعيد التوترات. إلى جانب مناقشة ملفات تايوان، والرسوم الجمركية، والأسلحة النووية. كما بحث الرئيسان تمديد الهدنة التجارية المبرمة في أكتوبر الماضي، واتفاقية المعادن الحيوية؛ لضمان استقرار سلاسل التوريد والإمداد.
في حين أشارت صحف أمريكية إلى احتمال إعلان إنشاء مجلس للتجارة وآخر للاستثمار؛ بهدف تعزيز القنوات الرسمية بين القوتين الاقتصاديتين العملاقتين.
بينما كان من المفترض إجراء هذه الزيارة في أواخر مارس وأوائل أبريل. إلا أن ترامب أرجأها حينذاك للتركيز على ملفات واشنطن الخارجية المتعلقة بالأزمة الإيرانية.
الصين أكثر الدول تضررًا من أزمة هرمز
تعد الصين من أكثر الدول تأثرًا بأزمة مضيق هرمز خلال عام 2026؛ نظرًا لاعتمادها الكبير على هذا الممر الحيوي لتأمين احتياجاتها من الطاقة.
وبحسب تقارير صادرة الشهر الجاري تراجعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة قاربت 20% خلال أبريل. لتصل إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات. وانخفضت واردات الغاز الطبيعي بنسبة 13%، وسجلت مشتريات الغاز الطبيعي المسال أدنى مستوى لها منذ ثمانية أعوام؛ نتيجة تعطل الشحنات القادمة من قطر.
كذلك واجهت المصافي الصينية قفزة في أسعار خام برنت، الذي تجاوز حاجز 120 دولارًا للبرميل. ما أدى إلى ضغوط تضخمية داخلية وتراجع أرباح القطاع الصناعي. وفي الوقت نفسه انخفض عدد السفن التجارية المارة عبر المضيق بنسبة وصلت إلى 94% خلال أوائل مايو، وهو ما تسبب في ارتباك كبير بجداول الشحن الصينية.
علاوة على ذلك واجهت السفن المرتبطة بشركات صينية ارتفاعًا هائلًا في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، خاصة بعد تسجيل هجمات على ناقلات تضم أطقمًا صينية. وأدى تعطل سلاسل الإمداد وتأخر وصول المواد البتروكيماوية والأسمدة إلى تأثيرات تدريجية على قطاعي التصنيع والزراعة في الصين.
وحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار الأزمة يهدد بخفض معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني. بسبب تراجع الطلب العالمي على الصادرات الصينية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
كما اضطر بنك الشعب الصيني إلى التدخل لدعم اليوان في مواجهة تداعيات الحرب في إيران وأزمة المضيق. حتى إن البعض وصف القمة المرتقبة بأنها «لقاء الضرورة».
دور الوسيط والمؤثر
بسبب حجم هذه الخسائر تحولت الصين من دور المراقب إلى دور الوسيط الفاعل والمؤثر. إذ طرحت مبادرة مشتركة مع باكستان خلال مارس وأبريل لفتح المضيق ووقف إطلاق النار. بهدف تأمين تدفقات الطاقة التي تمثل شريان الحياة لاقتصادها.
ولهذا أُطلق على القمة المرتقبة بين ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ اسم «قمة مضيق هرمز» أو «لقاء العودة». وهو الوصف الذي استخدمته الصحافة الأمريكية، باعتبارها أول زيارة لرئيس أمريكي إلى بكين منذ تسع سنوات. ما يمنحها طابعًا تاريخيًّا واستثنائيًّا.
أهم مخرجات اللقاء التاريخي
في حين قد يكون «نزع فتيل الأزمة» بالشرق الأوسط أبرز نتائج اللقاء المرتقب. إذ ربما تضغط الصين على إيران لضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، مقابل وعود أمريكية -بوساطة صينية هذه المرة- بتخفيف بعض القيود التجارية أو التكنولوجية المفروضة على بكين.
أيضًا من المرجح الإعلان عن تمديد اتفاقية أكتوبر الماضي، التي منعت فرض رسوم جمركية جديدة. وهو ما قد يمنح الأسواق المالية العالمية دفعة قوية.
كذلك تشير التوقعات إلى اتفاق بشأن المعادن الحيوية اللازمة للصناعات التكنولوجية. مقابل استمرار تدفق الرقائق الإلكترونية الأمريكية إلى السوق الصينية بشروط محددة.
ويبقى السؤال: هل يمثل هذا اللقاء المرتقب بداية لاستعادة الثقة في الممرات الملاحية وخطوط الشحن البحري، وعودة استخدام المسارات التقليدية. بما يؤدي إلى خفض تكاليف النقل والشحن والتأمين؟
إستراتيجية «فن الصفقة» في مواجهة «الصبر الإستراتيجي»
تنتهج الولايات المتحدة إستراتيجية «فن الصفقة» التي يتبناها ترامب، في مقابل «الصبر الإستراتيجي» الذي تتميز به الصين. خاصة أن بكين تمتلك أوراق ضغط على طهران لا تملكها أي دولة غربية، بحكم اعتماد الاقتصاد الإيراني بصورة شبه كاملة على مبيعات النفط للصين.
بينما يريد ترامب إنهاء الحرب، التي بدأت في فبراير الماضي، لتحقيق نصر دبلوماسي قبل الانتخابات. أو على الأقل لضبط أسواق الطاقة. وفي المقابل تحتاج الصين إلى فتح مضيق هرمز لضمان تدفق النفط بأسعار مناسبة.
لكن الرئيس الأمريكي، على الأرجح، لن يتنازل عن الرسوم الجمركية التي فرضها مؤخرًا، وخاصة نسبة الـ10% العالمية. دون الحصول على مقابل سياسي أو اقتصادي كبير.
وهو يبحث دائمًا عن «اللقطة التاريخية»؛ فإذا قدم له شي جين بينغ مخرجًا للأزمة الإيرانية يجعله يظهر في صورة «صانع السلام العالمي». فقد يقتنع بتقديم تنازلات تكتيكية في ملف الرسوم الجمركية.
كما وصفت الصحافة الأمريكية زيارة ترامب إلى الصين بأنها «زيارة دولة بامتيازات إضافية». وهو نوع من التقدير البروتوكولي الصيني الذي غالبًا ما يلقى استحسان ترامب. فالبراجماتية الترامبية تتجاوز الاعتبارات الأيديولوجية، وهو مستعد لتغيير مواقفه إذا رأى أن «الصفقة» تحقق مكاسب اقتصادية ملموسة للداخل الأمريكي.
الزيارة والمملكة
تشكّل زيارة ترامب إلى الصين نقطة تحول مهمة لدول الخليج العربي، وتحديدًا المملكة العربية السعودية؛ نظرًا للارتباط الوثيق بين استقرار المنطقة ومخرجات هذا اللقاء في بكين.
وكانت المملكة من أكثر الدول الخليجية استعدادًا للتعامل مع تداعيات الأزمة؛ بفضل الرؤية التي يقودها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان؛ ولي العهد، -حفظه الله- في إطار رؤية 2030.
ويعكس ذلك الحكمة السياسية التي تعاملت بها القيادة السعودية مع الأزمة منذ بدايتها، مع التركيز على الحلول الدبلوماسية، وهو ما يترقبه العالم بعد لقاء ترامب وشي جين بينغ.
وإن استجابت الصين للمساعي الدبلوماسية فقد تحتاج إلى زيادة وارداتها النفطية من السعودية والإمارات والكويت، وهو ما قد يعزز الحصة السوقية لدول الخليج داخل السوق الصينية.
الصين وتغيير قواعد اللعبة العالمية
تسعى الصين، عبر سرديتها الجيوسياسية، إلى تقديم نفسها بوصفها بديلًا «أكثر استقرارًا وعدالة» من الهيمنة الأمريكية. وهي لا تركز على منافسة القوة العسكرية الأمريكية بقدر ما تسعى إلى إعادة صياغة القواعد الدولية من خلال الترابط الاقتصادي، والتعددية القطبية، والتنمية المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق».
وترتكز الرؤية الصينية على «الحق في التنمية»، بينما تركز السردية الأمريكية على «القيم» و«الحريات السياسية».
والصين لا تريد فقط قيادة العالم وفق القواعد الأمريكية ذاتها، بل تسعى إلى تغيير هذه القواعد بما يجعلها أكثر توافقًا مع نظامها السياسي ومصالحها الإستراتيجية.













