قفزة غير مسبوقة.. أسعار شحن ناقلات النفط الأعلى في 5 سنوات

ناقلات النفط

يشهد قطاع شحن ناقلات النفط العالمي قفزة غير مسبوقة في الأسعار، مدفوعًا بتداعيات العقوبات الغربية الجديدة على صادرات النفط الروسي.

وأظهرت أحدث بيانات شركة “Windward” أن ناقلتين تحملان نحو 1.4 مليون برميل من النفط الخام الروسي ترسوان في عرض البحر قبالة ميناء موندرا الهندي منذ أواخر أكتوبر. ذلك في أولى بوادر تأثير العقوبات الجديدة على تدفق الخام الروسي.

تأخر الناقلات وبدء اهتزاز منظومة الصادرات الروسية

وتوضح بيانات Windward أن الناقلة كوستو (علم سيراليون – IMO 9308833) والناقلة أيلانا (IMO 9232888) تنتظران منذ 30 و25 أكتوبر على التوالي دون السماح لهما بتفريغ حمولتهما.

ويشير هذا إلى أن منظومة العقوبات الغربية بدأت تحدث أثرها الملموس، بحسب التقرير. كما أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي (OFAC) في 22 أكتوبر عن عقوبات واسعة على شركتي “روسنفت” و”لوك أويل” الروسيتين، اللتين تمثلان نحو نصف صادرات روسيا النفطية.

وتمنح تراخيص الإعفاء المؤقت حتى 21 نوفمبر فقط. ما يعني أن أي صادرات لاحقة ستكون عرضة لتطبيق صارم للعقوبات.

وسبقت المملكة المتحدة الولايات المتحدة في فرض عقوباتها بأسبوع. ما جعل سقف الأسعار الذي حددته مجموعة السبع في ديسمبر 2022 عديم الفاعلية تقريبًا، ودفع الأسعار العالمية للارتفاع مجددًا.

وبهذا، انتقلت العقوبات من مرحلة القيود الشكلية إلى تقييد فعلي للصادرات الروسية للمرة الأولى منذ عام 2022.

تراجع في المشتريات الآسيوية وتزايد الحذر في الهند والصين

خلال الأسبوعين الماضيين، أوقفت بعض المصافي في الهند والصين – أكبر مستوردي النفط الروسي – مشترياتها أو أعلنت نيتها تقليصها. ما يرجَّح أن يكون سبب تأخر الناقلتين “كوستو” و”أيلانا”.

ومن المتوقع أن يتحدد حجم التأثير على المدى الأوسع بناءً على مدى صرامة تطبيق العقوبات الأمريكية بعد 21 نوفمبر، بحسب التقرير.

قفزة في أسعار الشحن وعودة “الأسطول المظلم”

وجاءت حزمة العقوبات التاسعة عشرة للاتحاد الأوروبي بعد يوم من إعلان الولايات المتحدة عن عقوباتها، وتضمنت إضافة 117 سفينة إلى قائمة العقوبات. هذا إلى جانب حظر واردات الغاز الطبيعي المسال اعتبارًا من أبريل المقبل، وفرض غرامات على مصفاتين وشركة تجارة صينية.

وقد أدت هذه الإجراءات مجتمعة إلى ارتفاع أسعار شحن ناقلات النفط لأعلى مستوياتها في خمس سنوات، وسط استمرار الكميات المنقولة بحرًا عند مستويات قياسية ونشاط متزايد لما يعرف بـ”الأسطول المظلم”.

وتجاوزت أسعار تأجير الناقلات العملاقة (VLCC) مستوى 125 ألف دولار يوميًا على الخطوط بين الخليج العربي والشرق الأقصى، وفق وسطاء شحن، في ظل بحث المشترين في آسيا عن بدائل للخام الروسي.

كما زاد الطلب على الناقلات “النظيفة” غير المشمولة بالعقوبات. ما أدى إلى نقص المعروض في الأسواق الأخرى ورفع الأسعار عالميًا. ويأتي ذلك بالتزامن مع زيادة إنتاج “أوبك+” الموسمي لتلبية الطلب الشتوي.

اضطرابات لوجستية وتنامي نشاط السفن الخاضعة للعقوبات

وتشير بيانات “Vortexa وWindward” إلى أن 54 % من النفط الروسي المنقول في أكتوبر تم تحميله على ناقلات خاضعة للعقوبات.

وأشار التقرير إلى أن هذا أجبر المصدرين على اللجوء إلى عمليات النقل من سفينة إلى أخرى (STS) لإيصال الخام إلى وجهات ترفض استقبال السفن المحظورة.

وتزايدت أهمية السفن غير المصنفة ضمن الأسطول المظلم، في وقت تجاوز فيه عدد السفن المحظورة 500 ناقلة.

وبلغ النفط الخام المنقول بحرًا ذروته عند 1.3 مليار برميل في 25 أكتوبر، بزيادة 200 مليون برميل خلال ستة أسابيع فقط. فيما سجلت الشحنات الروسية والإيرانية مستويات تاريخية في أواخر أكتوبر.

ظهور جيل جديد من الناقلات المجهولة الملكية

ورصدت “Windward” خلال الأشهر الأخيرة ظهور موجة جديدة من السفن تبنى قبل عام 2011 وتشترى من شركات أوروبية بواسطة كيانات غير معروفة في الصين وهونغ كونغ. ثم تسجّل في شركات واجهة بجزر سيشل أو آسيا لتعمل مباشرة في الموانئ الروسية.

وفي أكتوبر وحده، تم تسجيل 17 ناقلة من هذا النوع قامت بتحميل النفط الروسي من موانئ بحر البلطيق والمحيط الهادئ، في مؤشر على ازدياد تعقيد شبكات النقل الروسية وارتفاع مستوى التمويه في الملكية.

الهند تختبر حدود الامتثال

ومنذ أغسطس الماضي، انخفضت نسبة الناقلات اليونانية التي تنقل الخام الروسي بعد خفض سقف السعر الأوروبي بنسبة 15 % ليصل إلى 47.60 دولارًا للبرميل. مقارنة بالسقف السابق البالغ 60 دولارًا.

وبعد أن كانت السفن اليونانية تنقل 35 % من خام الأورال الروسي في بداية العام، تراجعت حصتها إلى نحو 16 % في أكتوبر وفق بيانات Windward وVortexa، مع انتهاء العقود القديمة في 18 أكتوبر الماضي.

وتقع مسؤولية الامتثال لسقف السعر على شركات الخدمات البحرية الغربية، بما في ذلك شركات التأمين والملاك والمستأجرين والبنوك. إذ يحظر عليها نقل النفط الروسي إلى دول ثالثة ما لم يتم إثبات أن السعر دون السقف المحدد.

موقف المصافي الهندية وانعكاساته

وقد يشكل موقف الناقلتين كوستو وأيلانا اختبارًا لمستوى التزام الهند بالعقوبات الغربية. ويخدم ميناء موندرا كلًا من مصفاة شركة النفط الهندية (IOC) ومصفاة HPCL-Mittal Energy.

وأشارت التقارير إلى أن الأخيرة أوقفت مشترياتها من الخام الروسي بعد تغطية إعلامية سلبية، وفقًا للتقرير.

ونوه التقرير إلى أن بعض الناقلات تنتظر لأيام قبالة الموانئ الهندية قبل السماح لها بالتفريغ، في ظل ضبابية الموقف الرسمي.

وفي المقابل، تواصل مصفاة نايرا في فادينار، المملوكة جزئيًا لـ روسنفت والمشمولة بالعقوبات الأوروبية، استيراد الخام الروسي حصريًا.

ويشمل ذلك شحنات من ناقلات مثيرة للجدل مثل “بوراكاي” التي كانت ترفع علمًا مزيفًا واعترضتها البحرية الفرنسية سابقًا.

سوق الشحن في قلب التوترات الجيوسياسية

وفي ظل هذه التطورات، باتت أسواق ناقلات النفط العالمية على الخطوط الأمامية للتوترات الجيوسياسية المتصاعدة. كما تخضع لاختبارات غير مسبوقة من حيث الامتثال والعقوبات والتعقيد التشغيلي.

ومن المتوقع أن تبقى أسعار الشحن مرتفعة على المدى القصير. فيما يظل مستقبل تدفقات النفط الروسي رهينًا بمدى صرامة تنفيذ العقوبات الأميركية والأوروبية خلال الأشهر المقبلة.