في سابقة تاريخية تعكس تأثير التغيرات الجيولوجية على العالم. أعلنت الصين وصول أول سفينة حاويات إلى أوروبا عبر بحر القطب الشمالي، في أقل من 21 يومًا.
وحظي وصول السفينة “جسر إسطنبول” إلى ميناء فيليكستو الأسبوع الماضي، بترحيب رسمي في الصين كإنجاز تاريخي.
أول سفينة حاويات تعبر القطب الشمالي بأقل من 21 يوما
بينما قطعت السفينة، المملوكة للصين، رحلتها من ميناء نينجبو إلى سوفولك في إنجلترا خلال أقل من 21 يوما. مما يمثل توفيرا يقارب نصف الوقت الذي كانت تستغرقه الرحلة التقليدية. وفقا لوكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).
فيما استخدمت السفينة في رحلتها “طريق البحر الشمالي” (NSR). وهو ممر ملاحي يمتد على طول الساحل الشمالي لروسيا، في القطب الشمالي. بدءا من بحر بارنتس وصولا إلى مضيق بيرينج.
ويعد هذا الطريق، الذي كان في العصور السابقة حلما للمستكشفين، مثل: هيو ويلوبي. متاحا اليوم بشكل موسمي بفضل الذوبان المتسارع للغطاء الجليدي في القطب الشمالي. وهذه الرحلة الناجحة تفتح الباب أمام استكشاف طرق تجارية أسرع. لكنها في الوقت ذاته تضاف إلى الأدلة على كارثة بيئية وشيكة.
وتثير تساؤلات حول فرص جديدة يستكشفها قادة عالميون، مثل: شي جين بينج، وفلاديمير بوتين، ودونالد ترامب. تشمل السياحة ووصول أفضل لأساطيل الصيد، وحقول نفط محتملة تحت القطب الشمالي. نقلا عن “observer“.
تصاعد درجات الحرارة والتحذيرات البيئية
ويشير هذا التطور الملاحي إلى التسارع المخيف لظاهرة تغير المناخ في القطب الشمالي. فوفقا للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، يشهد القطب الشمالي ارتفاعا في درجة الحرارة أسرع بثلاث مرات من بقية الكوكب. وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) أن المنطقة قد تشهد صيفا خاليا من الجليد بحلول عام 2050. لكن معدلات الذوبان الحالية قد تجعل هذا يحدث في وقت أقرب.
ويحذر العلماء من أن ذوبان الجليد يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة المحيط بشكل أسرع. لعدم وجود الجليد الأبيض الذي يعكس أشعة الشمس. مما يتسبب في ظواهر جوية أكثر تطرفاً في الدول الاسكندنافية والمملكة المتحدة.
كما يواجه مسار البحر الشمالي تحديا بيئيا كبيرا يتمثل في “الكربون الأسود” أو السخام الكثيف الذي ينتجه زيت الوقود الثقيل المستخدم في السفن. والذي قد يكون له تأثير مُضخم في تسريع الذوبان في القطب الشمالي.

طريق البحر الشمالي: تزايد الحركة وسيطرة روسية
في حين يكتسب “طريق البحر الشمالي” أهمية متزايدة. خاصة في ظل تحركات ناقلات النفط الروسية التي تستخدم هذا الممر لتجنب العقوبات الغربية ونقل شحناتها إلى آسيا.
وصرح كيل ستوكفيك، رئيس مركز لوجستيات الشمال العالي (CHNL) بجامعة نورد في النرويج: “بحلول بداية أكتوبر. وصل عدد السفن إلى 93 سفينة. لذا نتوقع رقما قياسيا هذا العام”. وأشار ستوكفيك إلى أنه مع ذوبان الجليد. يشهد المسار أيضا اضطرابات في الأحوال الجوية. مما يزيد من صعوبة التشغيل.
روسيا تحتفظ بسيطرتها على هذا الممر الملاحي
علاوة على ذلك تحتفظ روسيا بسيطرتها على هذا الممر الملاحي. حيث تمتلك أسطولا من كاسحات الجليد التي تعمل بالطاقة النووية. وهي ضرورية لتمكين الملاحة في ظل الظروف القاسية. وتروج موسكو بقوة للممر باعتباره بديلا صديقاً للبيئة. مؤكدة أن تقصير الرحلات يعني انخفاض انبعاثات الوقود من الشحن. والتي تنتج حوالي 3% من الانبعاثات العالمية. وهو رقم آخذ في الارتفاع.
ومع ذلك، تنتقد المجموعات البيئية هذه الرواية. إذ صرحت كسينيا فاخروشيفا، من مؤسسة بيلونا. وهي مجموعة بيئية نرويجية، بأن: “الرواية الروسية القائلة بأن طريق البحر الشمالي بديل أسرع وأرخص وصديق للبيئة لقناة السويس خاطئة”. وأضافت أن “تطوير البنية التحتية والاستخدام المكثف لطريق البحر الشمالي سيعرض بيئة القطب الشمالي الهشة للخطر. وسيفيد النظام الروسي، ويوفر أدوات إضافية لنشر نفوذه الخبيث”.
مخاطر تشغيلية وبيئية: انسكابات النفط والمنخفضات القطبية
بالإضافة إلى التلوث البيئي، تبرز مخاطر تشغيلية كبيرة في الممر الشمالي. فقد علقت سفينة “أركتيك ميتاجاز”، وهي جزء من “أسطول الظل” لناقلات النفط الروسية التي تتجنب العقوبات، في الجليد لمدة أسبوع في شهر سبتمبر. وتشير فاخروشيفا إلى أن “إخفاء الحوادث ممارسة شائعة هناك.
بعد حادثة أركتيك ميتاجاز، أزيل موقع السفينة تماما من السجلات العامة لإدارة طريق البحر الشمالي”. حيث لم تنشر إحصائيات عن الحوادث في الطريق منذ عام 2023.
في حين تشكل الانسكابات النفطية خطرا بيئيا داهما على البيئة الدقيقة التوازن في القطب الشمالي. وتضاف إلى ذلك مشكلة الضوضاء المتزايدة التي من المرجح أن تعطل هجرة الثدييات البحرية وقنوات الاتصال. وتزيد من خطر اصطدام السفن. وفقا لجو هوبكنز، مسؤولة قسم القطب الشمالي في المركز الوطني لعلوم المحيطات (NOC).
ذوبان الغطاء الجليدي يهدد استقرار الملاحة
كما يشدد خبراء المناخ على أن ذوبان الغطاء الجليدي يهدد استقرار الملاحة. حيث من المرجح أن يؤدي ذوبان الجليد إلى تشكل “منخفضات قطبية” – وهي عواصف مفاجئة وشديدة وخطيرة – تزيد من صعوبة التشغيل.
فيما قال البروفيسور لين شافري، مدير علوم البحار في المركز الوطني لعلوم المحيطات: “مع ارتفاع درجة حرارة المناخ وتراجع جليد بحر القطب الشمالي، نتوقع تشكل بعض العواصف الشديدة، مثل المنخفضات القطبية الشمالية، شمالا. حيث سيتمكن المحيط المفتوح الآن من إدخال الحرارة والرطوبة مباشرة إلى الغلاف الجوي”.
ويقود شافري برنامج CANARI الذي يهدف إلى نمذجة والتنبؤ بكيفية تسبب ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي في عواصف أكثر شدة وجفاف أطول في المملكة المتحدة.












