سوق تأجير الحاويات يواجه تصحيحًا بعد خمس سنوات ازدهار

سوق تأجير الحاويات يقترب من "نقطة تحول": تصحيح وشيك يلوح في الأفق بعد خمس سنوات من الازدهار
سوق تأجير الحاويات يقترب من "نقطة تحول": تصحيح وشيك يلوح في الأفق بعد خمس سنوات من الازدهار

يشهد سوق تأجير سفن الحاويات العالمي حاليًا ظاهرة اقتصادية نادرة. تتمثل في اتساع الفجوة بين أسعار الشحن الفوري وأسعار استئجار السفن. ففي الوقت الذي بدأت فيه أسعار نقل الحاويات في الانخفاض والعودة إلى مستويات أكثر اعتدالًا بعد سنوات الجائحة، ظلت تكاليف تأجير السفن مرتفعة بعناد. ووفقًا لتقرير تحليلي صادر عن شركة “دروري” للاستشارات البحرية. كما لا تزال أسعار استئجار سفن الحاويات أعلى بنسبة 200% تقريبًا ما كانت عليه في عام 2019. أي قبل الطفرة الهائلة التي شهدها القطاع.

سوق تأجير الحاويات يقترب من “نقطة تحول”

كما يشير هذا التناقض إلى أن السوق يعيش حالة من التأخر في الاستجابة. حيث تستجيب أسعار الشحن الفوري (Spot Rates) بسرعة كبيرة لديناميكيات الطلب والعرض المتغيرة. بينما تتخلف أسعار التأجير (Charter Rates) بسبب طبيعة عقودها طويلة الأجل. ولكن الملفت في الدورة الاقتصادية الحالية هو أن هذا الخلل قد امتد لفترة أطول بكثير من المعتاد. مدعومًا بمجموعة من العوامل الهيكلية والاستراتيجية والجيو-سياسية المعقدة التي عملت معًا على ضخ الزخم في أسعار التأجير.

بينما تتوقع “دروري” استمرار هذا التفاوت حتى العام المقبل 2026 قبل أن تبدأ قوى السوق الأساسية في إحداث التصحيح الحتمي الذي طال انتظاره. وذلك نقلًا عن موقع “container-news“.

أسباب صلابة أسعار التأجير

كما يشير التحليل إلى أن أربعة محاور رئيسية لعبت دورًا حاسمًا في الحفاظ على ارتفاع أسعار تأجير السفن. متجاوزة بذلك منطق انخفاض أسعار الشحن:

1. ندرة عرض السفن المتاحة للإيجار:

يعد نقص حمولة السفن المستأجرة المتاحة السبب الأساسي لارتفاع الأسعار. هذا النقص لم يكن وليد الصدفة. بل نتاج لاستراتيجية استحواذ ضخمة نفذتها شركات النقل البحري الكبرى خلال السنوات الخمس الماضية. فقد قامت شركات عملاقة، مثل MSC و CMA CGM. بالاستحواذ على حصص كبيرة من أسطول السفن المستعملة الذي كان متاحًا في السابق للمالكين غير المشغلين (Non-Operating Owners – NOOS). والذين يعتمدون بشكل كلي على تأجير سفنهم لشركات النقل.

كما تشير الأرقام إلى أن الأساطيل المملوكة لشركات النقل البحري تمثل الآن 64% من إجمالي السعة العالمية. وهي زيادة ملحوظة مقارنة بـ 54% التي سجلت في عام 2019. وقد منح هذا التوسع شركات النقل قدرة أكبر على التحكم في العرض. مما سمح للمالكين غير المشغلين المتبقين بقدرة تسعيرية أكبر والحفاظ على ارتفاع أسعار التأجير.

2. الاضطرابات الجيوسياسية وإعادة توجيه المسارات:

كما لعبت التوترات الجيوسياسية، لا سيما الصراعات والمخاطر الأمنية في منطقة البحر الأحمر ومضيق باب المندب. دورًا حيويًا في خلق طلب مصطنع على السعة. كما أجبرت هذه المخاطر السفن على تغيير مساراتها المعتادة لتتجه حول رأس الرجاء الصالح. هذا التغيير أدى إلى إطالة أوقات الرحلات بشكل كبير. ما يعني أن السفينة الواحدة تقضي وقتًا أطول بكثير في الطريق.

النتيجة المباشرة لهذا الإجراء هي تقليص السعة الفعلية المتاحة في السوق (Supply Erosion). حيث يحتاج المشغلون إلى المزيد من السفن لتغطية نفس الجدول الزمني للخدمات. وقد أدت هذه الاضطرابات إلى زيادة فورية في الطلب على حمولات السفن قصيرة الأجل والمؤجرة لفترة محددة لمواجهة النقص في السعة.

3. السلوك الاستراتيجي لشركات النقل في تأمين الأسطول:

لم تكتفِ شركات النقل الكبرى بالاستحواذ. بل تبنت سلوكًا استراتيجيًا يهدف إلى التحوط ضد الاضطرابات المستقبلية وضمان موثوقية الخدمة. حيث تسعى هذه الشركات بنشاط إلى إبرام عقود استئجار طويلة الأجل. تمتد لعدة سنوات، لـ “حماية” سعتها التشغيلية.

هذا النشاط الاستباقي في تحديد الأسعار المستقبلية قوي بشكل خاص بالنسبة لفئة السفن الحديثة والموفرة للوقود. والمعروفة باسم “Eco-Vessels”. هذا الطلب الثابت والمضمون على السفن الحديثة. المقترن بشروط تأجير طويلة، يحافظ على زخم أسعار الاستئجار عند مستويات مرتفعة. بغض النظر عن انخفاض أسعار الشحن الفوري.

4. الضغوط التنظيمية البيئية و “العلاوة الخضراء”:

كما تمثل القواعد البيئية الجديدة الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO). ونظام تداول انبعاثات الاتحاد الأوروبي (EU ETS)، عاملًا إضافيًا لارتفاع الأسعار. هذه اللوائح تدفع الطلب بشدة نحو فئة محددة من السفن. وهي السفن العاملة بالوقود المزدوج (Dual Fuel) والسفن التي تتوافق مع أحدث المعايير البيئية.

ولكن المعروض من هذه السفن “النظيفة” لا يزال محدودًا للغاية، مما أدى إلى خلق “علاوة بيئية” أو “علاوة خضراء” (Green Premium). هذه العلاوة هي في الأساس تكلفة إضافية يدفعها المستأجرون للوصول إلى السعة المتوافقة بيئيًا. مما يزيد من ارتفاع أسعار تأجير هذه الفئة المتميزة من الأصول.

توقعات “دروري”

على الرغم من هذه الطفرة المستمرة. تؤكد توقعات “دروري” أن السوق لا يمكن أن يتحدى قوى الأساسيات الاقتصادية إلى الأبد. ومن المتوقع أن يكون تصحيح السوق أمرًا لا مفر منه. ويأتي مدفوعًا بعوامل العرض والطلب الكلاسيكية.

تتوقع الشركة أن يشهد متوسط أسعار الشحن العالمية انخفاضًا ملحوظًا بنسبة 16% خلال عام 2026. في المقابل، من المتوقع أن تشهد معظم قطاعات سوق التأجير زيادات طفيفة في الأسعار خلال الفترة المتبقية من عام 2025 قبل أن تبدأ في التراجع لاحقًا. وهذا التباين المؤقت يعكس قوة العقود طويلة الأجل المتفق عليها مسبقًا.

بينما من المتوقع أن يتلاشى الخلل الحالي مع دخول موجة كبيرة من السفن الجديدة، التي تم طلبها خلال طفرة الجائحة، إلى الخدمة الفعلية. بالإضافة إلى ذلك، سيؤدي تباطؤ الطلب العالمي إلى خلق توازن جديد في السوق. والأهم من ذلك، فإن أي انفراجة في الأوضاع الجيوسياسية تؤدي إلى إعادة فتح مسارات قناة السويس للمرور الآمن بشكل كامل ستعيد جزءًا كبيرًا من السعة التي فقدت حاليًا حول رأس الرجاء الصالح.

كما تؤدي هذه العوامل مجتمعة في النهاية إلى “تلاشي الزخم” الحالي لاستئجار السفن. كما أشارت “دروري”. وتبقى خلاصة التقرير أن سوق التأجير. رغم قوته الحالية، يعود في مرحلة ما ليخضع لمنطق العرض والطلب الطبيعي. منهيًا بذلك فترة استثنائية من الازدهار والتفاوت في الأسعار استمرت لنحو خمس سنوات.