رسوم الموانئ الجديدة تفجر أزمة بحرية عالمية بين الصين والولايات المتحدة

قطاع الشحن

سجلت أسعار استئجار ناقلات النفط قفزة حادة هي الأكبر منذ عام 2020. بعد أن تصاعدت التوترات التجارية مجددًا بين الولايات المتحدة والصين، مما أدى إلى إلغاء عدد من الحجوزات وتفاقم حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.

ووفقًا لمصادر في السوق وكالة “بلومبرغ”، فقد ألغيت اليوم عدة حجوزات لناقلات كانت مخصصة لتسليم شحنات نفط إلى الموانئ الصينية. عقب إعلان بكين فرض رسوم جديدة على السفن الأميركية.

قفزة غير مسبوقة في تكاليف استئجار الناقلات العملاقة

شهدت تكاليف تأجير الناقلات العملاقة (VLCCs) ارتفاعًا حادًا هو الأكبر منذ خمس سنوات، بعدما ضاعفت الرسوم الصينية الجديدة من تأثير العقوبات الأميركية المفروضة أمس على محطة استيراد صينية كبرى.

انعكس هذا التطور على قطاعات أخرى، إذ ارتفعت أيضًا أرباح سفن الشحن الجاف التي تنقل الفحم وخام الحديد. في ظل محاولات مالكي السفن والمستأجرين فهم تفاصيل تطبيق السياسة الجديدة.

وأعلنت الصين أن الرسوم ستُفرض ردًا على الإجراءات التي تعتزم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذها. لتحفيز صناعة بناء السفن داخل الولايات المتحدة.

ورد ترامب سريعًا مهددًا بفرض رسوم جمركية إضافية على الصين، مما أشعل موجة جديدة من التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم.

رسوم بملايين الدولارات على كل رحلة بحرية

بحسب تقديرات وكالة بلومبرغ، ستبدأ الرسوم الصينية عند 400 يوان (56 دولارًا) للطن، أي ما يعادل نحو 6.2 ملايين دولار لكل زيارة تقوم بها ناقلة عملاقة إلى الميناء الصيني.

ووفقًا لمحللي شركة فيرنلي سيكيوريتز، فإن “الأثر الحالي كبير بالفعل. لأن حجم الرسوم كفيل بإحداث اختلالات واضحة في السوق ورفع الأسعار إلى مستويات أعلى”.

كما قفزت عقود المشتقات المالية المرتبطة بالنقل البحري بنسبة تقارب 25% في الرحلات من الشرق الأوسط إلى الصين. منذ صباح أمس، بحسب بيانات المتداولين.

الرسوم تدخل حيز التنفيذ منتصف أكتوبر وتتصاعد تدريجيًا

تخطط بكين لبدء تنفيذ الرسوم الجديدة في 14 أكتوبر الجاري. بالتزامن مع دخول رسوم مكتب الممثل التجاري الأميركي (USTR) على السفن الصينية حيز التنفيذ في اليوم نفسه.

ومن المخطط أن تتضاعف الرسوم الصينية تدريجيًا ثلاث مرات تقريبًا بحلول أبريل 2028.

تعريف الكيانات والسفن المشمولة بالرسوم

رغم أن معظم مشغلي ناقلات النفط العملاقة حول العالم مقارهم خارج الولايات المتحدة، فإن عددًا كبيرًا منهم مدرج في البورصات الأميركية. أو يمتلك مساهمين كبارًا من الصناديق الاستثمارية الأميركية.

وبحسب النظام الصيني الجديد، سيُعتبر أي كيان أميركي يملك أكثر من 25% من حقوق التصويت أو مقاعد مجلس الإدارة في شركة تشغيل سفن كيانًا أميركيًا خاضعًا للرسوم.

كما تعد السفن أميركية أيضًا إذا كانت ترفع العلم الأميركي أو صُنعت داخل الولايات المتحدة.

تأثيرات محتملة على الشركات المدرجة في أميركا

وذكر محللو بنك جيفريز، ومن بينهم عمر نوكتا، أن نظام الرسوم الصيني الجديد
“سيكون له تأثير ملموس على الشركات المدرجة في الأسواق الأميركية، خصوصًا تلك التي تتجاوز فيها ملكية الصناديق الاستثمارية الأميركية نسبة 25 %”.

وأضافوا أن هذه التطورات قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة تدفقات النفط العالمية. وتغيير مسارات النقل بين المنتجين والمستهلكين في آسيا والولايات المتحدة.

بهذا، تدخل تجارة النفط مرحلة جديدة من التصعيد التجاري المتبادل، وسط مخاوف من تفاقم اضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف النقل البحري، وهو ما قد ينعكس على أسعار الطاقة عالميًا خلال الأسابيع المقبلة.

الصين ترد بإجراءات مضادة على الرسوم الأمريكية

اعتبرت وزارة التجارة الصينية أن الإجراءات المضادة التي قررتها بكين ردًا على الرسوم الإضافية التي فرضتها الولايات المتحدة على السفن الصينية، هي إجراءات دفاعية مشروعة.

وتهدف هذه الرسوم إلى حماية بيئة تنافسية عادلة في أسواق الشحن وبناء السفن على المستوى الدولي.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة أن السلطات الصينية ستفرض رسوم موانئ خاصة على السفن الأميركية تشمل تلك التي ترفع العلم الأمريكي. أو صنعت داخل الولايات المتحدة، أو تملكها أو تشغلها شركات أمريكية.

وأضاف أن هذه الإجراءات ستطبق بالتزامن مع دخول الرسوم الأمريكية على السفن الصينية حيز التنفيذ في 14 أكتوبر الجاري.

وشدد على أن الصين تحث واشنطن على تصحيح سياساتها “الخاطئة”. والتعامل معها بروح من التشاور والتعاون على أساس المساواة والاحترام المتبادل.

وفي المقابل، ستطبق الولايات المتحدة في اليوم نفسه رسومًا على السفن المصنعة في الصين. أو المملوكة أو المشغلة من قبل كيانات صينية عند أول ميناء أمريكي ترسو فيه، في خطوة تصعيدية جديدة بين القوتين الاقتصاديتين.

رسوم مرتفعة قد تصل إلى مليون دولار للسفينة الواحدة

ووفقًا لتقديرات المحللين، قد تصل قيمة الرسوم إلى نحو مليون دولار للسفينة الواحدة التي تحمل أكثر من 10 آلاف حاوية، مع احتمال زيادتها تدريجيًا كل عام حتى عام 2028.

كما حددت الصين رسومًا ثابتة بقيمة 80 دولارًا عن كل طن من الحمولة الصافية لكل رحلة تقوم بها السفن الأمريكية إلى الموانئ الصينية.

أما على الجانب الأمريكي، فقد أوضح مكتب الممثل التجاري أن هذه الرسوم الجديدة تأتي ضمن خطة أوسع لإحياء صناعة بناء السفن في الولايات المتحدة وتقليص ما وصفه بـ النفوذ البحري والتجاري الصيني المتنامي.

تحذيرات صينية من تهديد سلاسل الإمداد العالمية

أكدت وزارة التجارة الصينية أن الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على السفن الصينية تعد إجراءات تمييزية تنتهك مبادئ التجارة العادلة. مشيرة إلى أنها تلحق ضررًا بالغًا بالمصالح المشروعة لصناعة الشحن الصينية.

وأشارت إلى أنها تهدد استقرار سلاسل الإمداد العالمية وتقوض النظام الاقتصادي والتجاري الدولي.

وأوضحت الوزارة أن الصين، التي أصبحت خلال العقدين الماضيين اللاعب الأول عالميًا في صناعة بناء السفن التجارية والعسكرية. لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفته بـ “محاولات تقويض تفوقها الصناعي”.

تفاوت في التأثير بين الجانبين

ويرى محللون أن تأثير الرسوم الصينية على الولايات المتحدة سيكون أقل حدة من تأثير الرسوم الأمريكية على الصين، نظرًا للفجوة الكبيرة بين الصناعتين البحريتين.

فبينما صنعت الصين العام الماضي أكثر من ألف سفينة تجارية، لم تنتج الولايات المتحدة سوى أقل من عشر سفن خلال الفترة نفسها، ما يعكس حجم التفاوت في القدرة الإنتاجية بين الجانبين.

ارتباك في قطاع الشحن

مع اقتراب موعد دخول رسوم الموانئ الأميركية على السفن المصنوعة في الصين حيز التنفيذ الأسبوع المقبل، تشهد شركات الشحن البحري حالة من الارتباك الشديد.

ويخشى العديد من مشغلي السفن أن تؤدي هذه القواعد إلى تصنيف بعض السفن الممولة عبر ترتيبات مالية مع مؤسسات صينية على أنها “سفن صينية”، ما قد يجعلها عرضة لرسوم مرتفعة وخسائر مالية كبيرة.

تصاعد الدور الصيني في تمويل وبناء السفن

لم تعد الصين تهيمن فقط على صناعة بناء السفن، بل أصبحت أيضًا لاعبًا رئيسيًا في مجال تمويلها. إذ باتت شركات التأجير الصينية تدير جزءًا كبيرًا من الجوانب التجارية لتشغيل السفن.

وتلجأ شركات الشحن ومالكو السفن إلى هياكل التمويل البحري كبديل عن القروض المصرفية التقليدية لتنويع مصادر التمويل.

وتقدم شركات التمويل الصينية خدمات واسعة تشمل الاستحواذ والتمويل وتمويل البيع وإعادة التأجير للسفن الجديدة.

بالإضافة إلى التأجير التمويلي والتشغيلي والعابر للحدود، وهي ترتيبات تستخدم في تشغيل أنواع متعددة من السفن. كناقلات البضائع الجافة وسفن الحاويات وناقلات النفط.

هيمنة الصين على صناعة السفن العالمية

تتربع الصين اليوم على قمة صناعة بناء السفن في العالم، تليها كوريا الجنوبية ثم اليابان. وتشكل الدول الثلاث مجتمعة نحو 90% من إجمالي الأسطول التجاري العالمي.

وتستحوذ الصين وحدها على أكثر من 62 % من هذا الإنتاج، ما يجعلها اللاعب الأبرز في سلاسل التوريد والتمويل البحري العالمي، ويزيد من حساسية أي إجراءات أميركية تستهدف قطاعها البحري.

لقاء مرتقب بين ترامب وشي في قمة “أبيك”

ومن المقرر أن يلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نظيره الصيني شي جين بينغ على هامش منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) الذي يعقد في كوريا الجنوبية بنهاية أكتوبر الجاري.

يأتي هذا اللقاء وسط آمال بأن يساهم اللقاء في تهدئة التوترات التجارية المتصاعدة وإيجاد أرضية مشتركة لتجنب تصعيد جديد في “حرب الرسوم” البحرية بين البلدين.