تصعيد تجاري جديد.. واشنطن تفرض رسوم موانئ تستهدف النفوذ البحري الصيني

تتجه العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين نحو تصعيد جديد مع استمرار الإدارة الأمريكية في استخدام الأدوات الاقتصادية لكبح النفوذ الصيني المتزايد. خاصة في القطاع البحري. ففي غضون أسبوع واحد، تستعد الولايات المتحدة لفرض رسوم موانئ جديدة ومكلفة على السفن التي تحمل ارتباطات مباشرة بـالصين.

دعم صناعة بناء السفن الأمريكية

هذه الخطوة، التي تهدف رسميًا إلى دعم صناعة بناء السفن الأمريكية. من المتوقع أن تلحق خسائر مالية ضخمة بأكبر شركات الشحن العالمية. يقدر مجموعها بنحو 3.2 مليار دولار خلال العام المقبل، وفقًا لتقارير مختصة. نقلًا عن موقع “CNN الاقتصادية“.

تأتي هذه الإجراءات في ظل سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتعزيز الموقف التفاوضي لبلاده والحد من الهيمنة الصينية على سلاسل الإمداد العالمية وبناء السفن. ومع اقتراب الموعد النهائي لتطبيق هذه الرسوم. الذي كان مقررًا في 14 أكتوبر. تتزايد حالة الغموض التي تخيم على المشهد التجاري البحري. ما يثير قلق الشركات العالمية ويضيف “طبقة جديدة من المخاطر الجيوسياسية” على خططها التشغيلية. بحسب تقرير صادر عن وكالة ستاندرد آند بورز (S&P) هذا الأسبوع.

وعلى الرغم من اعتقاد بعض المراقبين بأن الموعد النهائي قد يمدد أو يلغى كجزء من مفاوضات تجارية أوسع. إلا أن مجرد التهديد بالتطبيق يكفي لإرباك حركة الشحن الدولية.

هدف مزدوج.. تمويل وإحياء صناعة السفن الأمريكية

أعلنت إدارة ترامب بوضوح أن الغاية من فرض هذه الرسوم على السفن المبنية أو المملوكة أو المشغلة من قبل كيانات صينية هي تمويل خطة طموحة تهدف إلى إحياء صناعة بناء السفن الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه الكونجرس الأمريكي مناقشة مشروع قانون واسع لتخصيص تمويل طويل الأجل لهذا القطاع الإستراتيجي. حاصدًا دعمًا واسعًا من الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي. ما يعكس إجماعًا سياسيًا على ضرورة تقليل الاعتماد على القدرات البحرية الأجنبية.

ويظهر هذا الإجراء التزام واشنطن بمعالجة الفجوة الهائلة في هذا القطاع. حيث تشير الإحصاءات الحديثة إلى أن أحواض بناء السفن الأمريكية شيدت أقل من 10 سفن تجارية خلال العام الماضي. في تناقض صارخ مع أكثر من 1000 سفينة أنتجتها الصين. وكثير منها يخدم أغراضًا تجارية وعسكرية في آن واحد. هذا التفوق الصيني دفع بواشنطن لاستخدام حزمة الرسوم الجديدة كأداة ضغط اقتصادي ومصدر تمويل مباشر لتعزيز القدرات المحلية.

تفاصيل تطبيق الرسوم.. من يدفع وكم تبلغ القيمة؟

في تحديث أصدره مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR) نهاية الأسبوع الماضي. تم توضيح الآليات التنفيذية لهذه الرسوم. وأكد المكتب أن مسؤولية تحديد ما إذا كانت الرسوم تنطبق على السفينة تقع على عاتق مشغلها. وليس على سلطات الجمارك في الموانئ الأمريكية. كما أوضح أن دفع الرسوم يجب أن يتم عبر الموقع الإلكتروني لوزارة الخزانة الأمريكية، Pay.gov. بدلًا من تسديدها بشكل مباشر في الموانئ. ما يشير إلى طبيعة الإجراء كضريبة فدرالية وليست رسومًا محلية.

ووفقًا لبيانات دقيقة صادرة عن شركة Alphaliner المتخصصة في تحليل بيانات النقل البحري. تم تحديد قيمة الرسوم على النحو التالي:

  1. للسفن المملوكة أو المشغلة من قبل كيانات صينية: ستدفع رسمًا ثابتًا قدره 80 دولارًا لكل طن صاف في الرحلة الواحدة إلى الولايات المتحدة. هذا السعر الثابت يمثل العبء الأكبر على الشركات الصينية العملاقة.
  2. للشركات غير الصينية التي تشغّل سفنًا صينية الصنع: ستُفرض عليها الرسوم الأعلى بين خيارين محددين:
    • إما 23 دولارًا لكل طن صاف.
    • أو 154 دولارًا لكل حاوية قياسية بطول 20 قدمًا (TEU).

وقد تم وضع سقف لعدد مرات فرض الرسوم. حيث لن تفرض الرسوم أكثر من 5 مرات سنويًا على السفينة الواحدة. وجاء هذا التحديد في قيمة الرسوم بعد تراجع واشنطن عن مقترحات أولية كانت أكثر تشددًا وتأثيرًا على السوق. في محاولة لتخفيف الأثر على المستهلكين وشركات الشحن الدولية غير الصينية.

كما تضمنت التعديلات النهائية استثناء العديد من الشركات الأمريكية من نطاق تطبيق الرسوم. إضافة إلى تأجيل فرض الرسوم على ناقلات الغاز الطبيعي المسال (LNG). في خطوة يبدو أنها تهدف إلى حماية إمدادات الطاقة الأمريكية والحلفاء. وعلى الرغم من هذه الاستثناءات، وسعت واشنطن نطاق الرسوم ليشمل ناقلات السيارات غير الأمريكية الصنع. مع الإبقاء على استثناء السفن التي ترفع العلم الأمريكي.

“كوسكو” الصينية في عين العاصفة

تشير التوقعات والأرقام إلى أن شركة الشحن الصينية العملاقة “كوسكو” (COSCO)، والتي تشمل أسطولها التابع OOCL، ستكون الأكثر تضررًا بشكل كبير ومباشر من هذا القرار. إذ تُقدّر تحليلات Alphaliner أن الرسوم المُحتملة على “كوسكو” وحدها قد تصل إلى 1.53 مليار دولار في العام المقبل. ويُمثل هذا المبلغ ما يقارب نصف إجمالي الرسوم المتوقعة على أكبر 10 شركات شحن عالمية مجتمعة، ما يبرز تركيز الإجراء الأمريكي على قوة الشحن الصينية تحديدًا.

وفي المقابل، بدأت شركات شحن عالمية أخرى تتخذ إجراءات وقائية لتجنب تحمل هذه التكاليف الباهظة. على سبيل المثال، قامت شركة CMA CGM الفرنسية العملاقة بإعادة توزيع جزء من أسطولها لتجنّب تشغيل السفن المصنوعة في الصين على الخطوط المتجهة إلى الموانئ الأمريكية. ما يُظهر كيف بدأت الإجراءات الأمريكية في التأثير على الإستراتيجيات التشغيلية لعمالقة الشحن.

الرد الصيني.. “إجراءات مضادة” مرتقبة

لم تمر الخطوة الأمريكية دون رد فعل رسمي من بكين. حيث وقّع رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ مرسومًا رسميًا يُعبر عن رفض الصين لهذه الرسوم، متعهدًا باتخاذ “إجراءات مضادة” ضد أي تدابير وصفها بـ”التمييزية” تطال السفن أو الأطقم الصينية. وعلى الرغم من أن طبيعة هذه الإجراءات المضادة لم يتم الكشف عنها بعد، إلا أن التهديد برد مماثل يفتح الباب أمام تصعيد محتمل في الحرب التجارية البحرية بين القوتين العظميين.

ويأتي هذا التصعيد قبيل لقاء مرتقب وغاية في الأهمية بين الرئيسين ترامب و شي جين بينغ، خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، المقرر عقدها في كوريا الجنوبية في أواخر أكتوبر وحتى الأول من نوفمبر. ومن المتوقع أن تكون قضية الرسوم البحرية الجديدة، إلى جانب ملفات تجارية وجيوسياسية أخرى، على رأس جدول أعمال المحادثات الثنائية بين الزعيمين.

وينتظر أن تحدد نتائج هذه القمة ما إذا كانت هذه الرسوم ستُطبق بالكامل، أو سيتم تعليقها أو تعديلها في إطار تسوية أوسع تهدف إلى تهدئة التوترات التجارية المتزايدة. ومع بقاء أيام قليلة على الموعد المحدد للتطبيق، تبقى السوق العالمية في حالة ترقب حذر، بانتظار الكلمة الفصل في هذا الفصل الجديد من صراع النفوذ الاقتصادي والبحري.