أصبح أسطول الظل يشكل التهديد الأكبر على العالم، وبات يمثل كارثة إنسانية حقيقية في قطاع الشحن العالمي وحركة التجارة الدولية، بعدما تحول إلى أداة جيوسياسية نشأت بفعل العقوبات، حتى وصل الأمر إلى حد الاشتباه بحمله طائرات مسيرة روسية.
وقد تنامى هذا الأسطول بشكل ملحوظ مع فرض العقوبات وتحديد سقف لسعر النفط الروسي عالميًا. حتى بات يعتقد أن نحو 80% من صادرات النفط الروسية تُنقل عبر ناقلات غير مؤهلة للإبحار، بعدما تجاوزت أعمارها الحد الآمن.
ورغم اختلاف التعريفات المرتبطة بسفن أسطول الظل، إلا أنها غالبًا ما تكون سفنًا قديمة (تزيد أعمارها عن 15 عامًا). وغير مطابقة لمعايير المنتدى البحري الدولي لشركات النفط أو لاتفاقية العمل البحري.
كما تعاني هذه السفن من سوء الصيانة وغياب التأمين الكافي، وتبحر غالبًا تحت أعلام ملاءمة. مع إخفاء هويات ملاكها الحقيقيين، واللجوء إلى ممارسات خطرة لتجنب التتبع، مثل تعطيل أنظمة التعريف الآلي (AIS) للتخفي.
كما تنفذ عمليات نقل نفط من سفينة إلى أخرى (STS) بطرق محفوفة بالمخاطر في المياه الدولية. خصوصًا قرب روسيا وماليزيا ومالطا واليونان وكوريا الجنوبية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة. والتي باتت من أبرز بؤر نشاط هذا الأسطول.
حصار الأطقم
ففي جميع أنحاء خليج عمان وخارجه — مثلما قال يانج سين، وهو خبير بحري على موقع لينكدإن — تترك ناقلات “أسطول الظل” المستهدفة بالعقوبات الدولية راسية منذ شهور.
تستمر الأطقم محاصرة على متن هذه الناقلات دون أجر أو طعام أو أي دعم طبي. في حين تتدهور صحتهم البدنية والجسدية والعقلية.
وأكد أن هذه السفن تبحر دومًا تحت أعلام الملاءمة؛ ما يجعل المساءلة بعيدة المنال، لذا يتم سحب الأعلام واختفاء المالكين، وترفض الموانئ الدخول.
تاركة البحارة مهجورين في المياه الإقليمية، وينسون من قبل الشركات المالكة أو المنظمات المعنية أو أي جهات مسؤولة لشهور ممتدة”.
ووفقًا للـ ITF تم الإبلاغ عن 222 حالة تخلي عن الطاقم في النصف الأول فقط من عام 2025، شملت أكثر من 2,280 بحارًا، وأكثر من 13 مليون دولار من الأجور غير المدفوعة — بزيادة الثلث مقارنة بالعام الماضي.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ازداد حجم أسطول الظل بشكل كبير، ويعتقد اليوم أن حوالي 17% من أسطول ناقلات النفط العالمي ينتمي إليه.
تحذيرات لقطاع التأمين البحري
في ظل تنامي الأسطول المظلم، حذر الاتحاد الدولي لشركات التأمين البحري (UMI) من أن ناقلات النفط المتهربة من العقوبات تشكل تهديدًا جديدًا لقطاع التأمين، فضلًا عن سلامة الملاحة والبيئة البحرية.
وتقدر شركة ستاندرد آند بورز جلوبال وجود حوالي 591 ناقلة ظل تتاجر بالنفط الروسي وحده. بينما تقدر كلية كييف للاقتصاد العدد بحوالي 435 ناقلة.
ويقدر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CRIEA) أن متوسط ثلاث ناقلات ظل تغادر الموانئ الروسية يوميًا. إذًا فهي تمثل قنابل موقوتة تهدد حركة الملاحة البحرية برمتها.
في غضون ذلك، ووفقًا لمؤسسة كارنيجي، كشفت بيانات عام 2024 أن 735 ناقلة نفط من أصل 2849 ناقلة نفط عالمية قد حملت حمولة واحدة على الأقل من الموانئ الروسية، ناقلةً ما معدله 48 مليون برميل من النفط يوميًا.
يمثل هذا الرقم حوالي ربع أسطول ناقلات النفط العالمي.
يشير هذا إلى أن جزءًا كبيرًا من صناعة شحن النفط العالمية لا يزال مرتبطًا بصادرات النفط الخام الروسية. وهنا نحتاج إلى وقفة عالمية.
العقوبات البريطانية
في الوقت نفسه، تظهر الإجراءات الجديدة — مثل العقوبات الأخيرة التي فرضتها المملكة المتحدة ضد أسطول الظل الروسي المكون من 135 ناقلة — مردودات خطيرة أخرى.
ارتفعت أسعار السفن والناقلات القديمة، وهو ما يتسبب في ضغوط على حركة الشحن — بدون أي ضمانات أو التزامات من أي نوع —.
يترتب على ذلك رفع المخاطر، سواء التي يواجهها المجتمع البحري وحركة التجارة. أو أطقم البحارة الذين نتركهم لضياع حقوقهم ونعرضهم للموت ولمصائرهم.
هذه ليست مجرد قضية تنظيمية أو امتثال، إنها أزمة حقوق الإنسان؛ فالبحارة ليسوا مهربين. إنهم العمود الفقري لحركة التجارة العالمية، ومع ذلك في المناطق الرمادية للعقوبات هم الذين يدفعون الثمن الأعلى من حياتهم!
مناشدات دولية
كما ناشدت كل من الـ ITF، والمنظمة البحرية الدولية (IMO)، ومنظمة العمل الدولية (ILO). إلى جانب عدد من الحكومات، بضرورة التحرك العاجل لإنشاء آلية إنسانية عابرة للحدود، تضمن حماية أجور البحارة، ورعايتهم الصحية والمعيشية. وحقهم في الإعادة إلى الوطن، مع التأكيد على عدم استخدام العقوبات كذريعة للتخلي عنهم. هذا ما أكده الخبير البحري يانج سين على حسابه في “لينكدإن”.
بينما يثير ذلك دهشة حقيقية من موقف الـ ITF. التي تزعم أنها تعمل على ضمان حماية البحارة في أي ميناء وتحت أي علم وفي كل الأوقات. في حين أن أمينها العام ظل في موقعه لأكثر من ثلاثين عامًا، وسط غياب للشفافية. وعدم تداول للسلطة، وتراجع في ضخ دماء جديدة تحمل فكرًا معاصرًا.
ورغم التصريحات المستمرة عن بذل الجهود، فإن أوضاع البحارة تزداد سوءًا يومًا بعد يوم. والأدهى من ذلك أنهم يطالبون المنظمة البحرية الدولية بالتدخل، وكأن القضية لا تخصهم!
هذه الأزمة ليست مجرد مسألة تنظيمية أو تتعلق بالامتثال، بل هي أزمة حقوق إنسان متكاملة الأركان. فالبحارة، الذين لا علاقة لهم بالتهريب أو الجريمة، يمثلون العمود الفقري لحركة التجارة العالمية. ومع ذلك يتركون وحدهم في مواجهة تبعات العقوبات، يدفعون الثمن الأعلى في مناطقها الرمادية.
إنها من بين أهم عشر قضايا تتقاطع فيها حقوق الإنسان مع عالم الأعمال لعام 2025. فالأسطول المظلم لا يهدد حياة البحارة فحسب، بل يشكل أيضًا خطرًا جسيمًا على المجتمعات الساحلية والبيئة. والسؤال المؤلم يظل قائمًا: من يسمع؟.
اصطدام ناقلة النفط “أندروميدا ستار”
ونعود لنتذكر أنه في الثاني من مارس 2024. اصطدمت ناقلة النفط الخام “أندروميدا ستار” بسفينة الشحن “بيس” التي ترفع العلم البلغاري. وذلك في المياه الخطرة الواقعة بين الدنمارك والسويد.
بصورة أدق، وقع التصادم بين مدينة أماجر الساحلية في الدنمارك وجزيرة سالثولم الصغيرة، داخل مضيق أوريسند الفاصل بين البلدين.
وبما أن الناقلة كانت في طريقها إلى ميناء بريمورسك الروسي لتحميل خام الأورال، فلم تكن محملة بالنفط حينها. ولو حدث التصادم في رحلة العودة، لكان من المحتمل أن يتسرب النفط، مسبّبًا كارثة بيئية في المياه الدنماركية.
وهذا ما يعني أنه، حتى لحظة كتابة هذا التقرير. بينما لم يكن قد أتيح الوقت الكافي لنقل “أندروميدا ستار” إلى أحد أحواض بناء السفن في الدنمارك لإجراء الإصلاحات اللازمة.
وبعد مرور أربعة وعشرين يومًا، عادت الناقلة إلى الملاحة. بينما بقيت سفينة “بيس” خارج الخدمة.
وفي معظم الحالات، تشير الأدلة إلى أن أطقم هذه السفن غالبًا ما يجهلون أنها تعمل بشكل غير قانوني عند صعودهم إليها، ما يجعلهم عرضة للاستغلال ونقص معايير السلامة.
وفي الوقت نفسه، تنشغل إحدى الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان في البحر بمتابعة قضية قبطان متهم بحيازة مخدرات على متن سفينته.
ومهما كانت حقيقة هذه القضية — بريئًا كما تؤكد زوجته، أو مذنبًا كما تشير الاتهامات — فإن أطقم سفن مشابهة. التي تزداد أعدادها يومًا بعد آخر، يظلون في طي النسيان، ربما لأسباب تتعلق بالتمويل أو السياسة أو غير ذلك.
فمن ينقذ هؤلاء البحارة؟ سؤال موجّه إلى السيد الأمين العام أرسينيو دوميغيز، بعدما تلاشت الثقة في مفتشي الـ ITF.













