مجدي صادق يكتب: السعودية.. وقرار تسعير الكربون

جرينلاند

سعدتُ كثيرًا عندما اعتمدت لجنة حماية البيئة البحرية بالمنظمة البحرية الدولية، في اجتماعها العاصف الأخير، خطة عمل 2025 لمكافحة النفايات البلاستيكية البحرية.

وكان ذلك عنوان مقالي الذي تم نشره في مايو الماضي، بعنوان “القمامة البحرية وتحديات المنظمة الدولية”.

لقد مثل ذلك الاجتماع تحديًا جديدًا أمام المنظمة، ونجحت فيه باقتدار؛ إذ جاء كخطوة فاعلة نحو تحقيق صافي انبعاثات صفرية لغازات الاحتباس الحراري من قطاع الشحن العالمي بحلول 2050، وهو يعد اتفاقًا تاريخيًا لمكافحة تغير المناخ.

تطور دراماتيكي

ورحبت المفوضية الأوروبية باتفاق المنظمة البحرية الدولية، والذي يمثل تقدمًا ملحوظًا في الحد من الأثر البيئي لقطاع الشحن على نطاق عالمي.

لكن الولايات المتحدة قاطعت اجتماعات الدورة 83 للجنة حماية البيئة البحرية في تطور دراماتيكي.

وقالت إنها ستدرس قبل أن تقرر؛ وذلك بعد أن انسحبت من اجتماع المنظمة البحرية الدولية في لندن بشأن المناخ وهددت بالرد على تسعير الانبعاثات.

كما رفضت أي تدابير من شأنها فرض رسوم على السفن الأمريكية؛ استنادًا إلى انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري أو اختيار الوقود.

وحذرت أيضًا من أنها ستنظر في تنفيذ تدابير متبادلة للتعويض عن أي رسوم تفرض على السفن الأمريكية.

اتفاقية باريس

ورغم أن الاتفاق لا يضمن بعد المساهمة الكاملة لقطاع الشحن في تحقيق أهداف اتفاقية باريس، يشكل أساسًا متينًا لبدء التحول المطلوب في مجال الطاقة.

وتطبق آلية التسعير على حصة من انبعاثات الشحن الدولي ابتداءً من عام 2028، بسعر أولي قدره 100 دولار للطن من ثاني أكسيد الكربون، بما يدر إيرادات تقدر بما يتراوح بين 11 و13 مليار دولار سنويًا.

ويتم تخصيص الإيرادات الناتجة عن هذا الإجراء؛ لدعم انتقال عادل ومنصف، يضمن عدم تخلف أي بلد عن الركب.

الحياد الكربوني

وكانت السعودية سباقة نحو هذا الاتجاه، حين أعلنت أنها تهدف إلى الوصول للحياد الكربوني (صفر في المائة صافي انبعاثات الكربون) بحلول عام 2060.

وقال صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان؛ ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، إن المملكة سوف تستثمر أكثر من 180 مليار دولار لتحقيق أهدافها.

وأضاف سمو ولي العهد، في كلمته المسجلة خلال مبادرة “السعودية الخضراء” المنعقدة في الرياض: “أعلن اليوم استهداف المملكة العربية السعودية الوصول للحياد الكربوني عام 2060”.

وأكد أن ذلك يتوافق مع خطط المملكة التنموية وتمكين تنوعها الاقتصادي، حين أطلقت مبادرة “البيئة الخضراء” ومبادرة “الشرق الأوسط الخضراء” الأوسع نطاقًا.

شخصية سعودية

والحقيقة أن اختيار شخصية سعودية مثل ريهام الجيزي؛ الرئيسة التنفيذية لشركة “سوق الكربون الطوعي” الإقليمية، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة بنسبة 80 %، ومجموعة “تداول السعودية” بنسبة 20 %، كان مثاليًا.

إذ إن كل أطروحاتها عبر الحوارات التي أجرتها، كانت محور عشرات الأسئلة التى ناقشها أعضاء لجنة البيئة البحرية رقم 83 بالمنظمة البحرية الدولية.

وقالت: “الحصة السوقية للشركة تصل حاليًا إلى نحو 1.3 % من حجم السوق العالمية في تجارة الكربون، ونستهدف حصة سوقية تعادل حجم الانبعاثات الكربونية في المنطقة”.

وتوقعت “الجيزي”- على هامش مؤتمر “بورتفوليو إيجيبت 2024” الذي عُقد بالقاهرة- أن يبلغ حجم تجارة الكربون في الشركة بحلول عام 2030، نحو 100 مليون طن، وأن تكون الشركة من كبرى الأسواق العالمية في أرصدة الكربون.

تباطؤ وتيرة نمو الانبعاثات

وتباطأت وتيرة نمو الانبعاثات خلال السنوات القليلة الماضية؛ حيث بلغ نصيب الدول العربية من ثاني أكسيد الكربون، عام 2021، أكثر من ملياري طن؛ ما يشكل 5.45 % من إجمالي الانبعاثات العالمية، وفق إحصاءات الاتحاد الأوروبي.

وتتيح شركة “سوق الكربون الطوعي” للشركات والحكومات والأفراد، شراء وبيع الاعتمادات التي تمثل تخفيضات في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويمكن استخدام هذه الاعتمادات لتعويض الانبعاثات التي لا يمكن تقليلها عن طريق وسائل أخرى؛ مثل: تحسين كفاءة الطاقة أو الترشيد؛ أو استخدام مصادر الطاقة المتجددة.

كما تُعد “سوق الكربون الطوعي” من الأساليب المستخدمة لتحقيق التخفيف من تأثيرات تغير المناخ.

وأشارت “الجيزي” إلى أن شركة “سوق الكربون الطوعي” رفعت نسبة تجارة الكربون في المنطقة من “صفر” إلى 1.3 % من حجم تجارة الكربون العالمية؛ بفضل مزادين أطلقتهما الشركة مؤخرًا.

إزالة 200 مليون طن انبعاثات

وبينما شهد العام الماضي إزالة نحو 200 مليون طن من الانبعاثات الكربونية في أنحاء العالم، قالت “ريهام”: “هذه ليست السعة المثلى لتلك السوق”.

وتوقعت أن تبلغ قيمة تجارتها في عام 2030 نحو 100 مليار دولار، وأن تصل إلى 250 مليار دولار بحلول 2050″.

ووفقًا لتقرير “حالة واتجاهات تسعير الكربون 2024″، الذي صدر في مايو الماضي عن البنك الدولي، بلغت إيرادات تسعير الكربون في عام 2023 رقمًا قياسيًا قدره 104 مليارات دولار.

وفي أكتوبر 2022 نظمت “سوق الكربون الطوعي” مزادًا لائتمان الكربون؛ حيث جرى بيع 1.4 مليون طن متري من أرصدة الكربون. فيما بلغ حجم المزاد الثاني في يونيو 2023، نحو 2.2 مليون طن من الأرصدة الكربونية.

إطلاق المزاد الثالث

وأوضحت “ريهام” أن الشركة بصدد إطلاق المزاد الثالث والأكبر، والذي سيصل حجمه إلى 2.5 أو 3 ملايين طن متري من أرصدة الكربون في نوفمبر المقبل.

جاء ذلك بالتزامن مع إطلاق منصة خاصة بتداول شهادات الكربون، وذلك في مؤتمر المناخ (كوب 29)، الذي ينعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو.

ولفتت إلى أن شركات سعودية وإقليمية سوف تشارك في المزاد الثالث، مؤكدة أنه الأكبر من حيث الحجم والتأثير في الوقت نفسه.

وأشارت إلى التحدي الحالي أمام الشركة؛ وهو أن أغلبية تجارة الكربون تأتي من الشمال إلى الجنوب في حين تستهدف الشركة أن تكون من الجنوب إلى الجنوب.

كما تستهدف أن تصبح للسعودية الريادة في أسواق الكربون؛ بأن تكون المركز الرئيس في المنطقة والإقليم.

كذلك، أشادت بريادة السعودية في مكافحة التلوث المناخي، وإطلاقها مبادرات عدة؛ أبرزها: مبادرة السعودية الخضراء والتشجير والتركيز على الطاقة النظيفة والمتجددة، فضلًا عن شركة “سوق الكربون الطوعي”.

حوافز مطلوبة

علاوة على ذلك، طالبت الرئيسة التنفيذية لشركة “سوق الكربون الطوعي” الإقليمية السعودية، الحكومات والمسؤولين بإطلاق حزمة من السياسات لتشجيع الشركة في المنطقة، واقترحت في هذا الصدد “الائتمان الضريبي” للشركات؛ أي منحها ميزات ضريبية.

آلية التسعير

كما قالت ريهام الجيزي، إن آلية تسعير الكربون من أبرز التحديات التي تواجه “سوق الكربون الطوعي”. إذ يتم نحو 80 % من عمليات شراء شهادات الكربون في العالم دون تسعير محدد.

لكنها أشارت إلى أن إطلاق المنصة الخاصة بالشركة في نوفمبر. يسهم في حل هذه المشكلة، لافتةً إلى أن الشركة تدرس بعض المشروعات في مصر مع مطورين.