دخل قانون بيئي جديد حيز التنفيذ في فنلندا، الأول من يوليو الجاري. وذلك في خطوة تعد الأولى من نوعها على مستوى العالم. حيث يفرض القانون حظرًا شاملًا على تصريف مياه الصرف الصحي من سفن الشحن في المياه الساحلية الفنلندية.
وبذلك تصبح فنلندا أول دولة تتخذ هذا الإجراء لحماية بيئتها البحرية، وتحديدًا بحر البلطيق، من التلوث المزمن لمياهه.
تاريخ صدور القرار
كان البرلمان الفنلندي قد أقر هذا القانون في ديسمبر 2024، وجاء تتويجًا لحملة طويلة من الضغط البيئي.
كما أكدت الأبحاث العلمية الضرر البيئي الكبير الناجم عن تصريف السفن لمخلفاتها في المياه الساحلية.
جاء ذلك بحسب تقرير الهيئة الفنلندية للبيئة “SYKE” حول بدء تطبيق القانون الجديد.
وكانت سفن الركاب فقط تخضع لقيود تصريف مياه الصرف، لكن القانون الجديد يوسع هذه القيود لتشمل سفن الشحن التجارية.
ما الذي يشمله الحظر؟
يتضمن الحظر منع تصريف الآتي:
– مياه الصرف الصحي من المراحيض المعروفة باسم “black water”، وهي تحتوي على كميات ضخمة من البكتيريا، والمواد العضوية، والعناصر المغذية مثل النيتروجين والفوسفور.
– حمأة الغسيل وهي مخلفات عمليات تنظيف خزانات الوقود والزيوت، وغالبًا ما تحتوي على ملوثات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة.
– مياه غسيل أنظمة تنظيف الكبريت (scrubber wash water)، الناتجة عن أجهزة إزالة الكبريت من عوادم السفن، والتي يمكن أن تحتوي على أحماض ومعادن سامة.
وتمنح فنلندا فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات بالنسبة لتصريف المياه الرمادية الناتجة عن المغاسل.
ما الحدود الجغرافية للحظر؟
ينطبق الحظر فقط على المياه الساحلية الفنلندية، أي المناطق التي تقع ضمن المياه الإقليمية للبلاد، والتي تمتد عادة إلى 12 ميلًا بحريًا من خط الساحل.
ومع ذلك، يسمح بتصريف جميع أنواع مياه الصرف في أعالي البحار وخارج نطاق المياه الإقليمية وفقًا للقانون الدولي البحري.
تستند فنلندا في هذا القرار إلى دراسات علمية أكدت أن بحر البلطيق من أكثر البحار تلوثًا بالمغذيات في العالم، وفقًا للتقرير.
أسباب نمو الطحالب السامة
وتتسبب عملية التخنث “Eutrophication” الناتجة عن المواد العضوية والنيتروجين والفوسفور إلى زيادة نمو الطحالب السامة؛ ما يؤدي إلى:
• انخفاض مستويات الأكسجين في المياه العميقة.
• نفوق الأحياء البحرية.
• اضطراب النظام البيئي بأكمله.
• تقليل جودة المياه والحد من الأنشطة الترفيهية والسياحية.
ويقول الخبراء إن مياه الصرف من السفن، وخاصة من سفن الشحن الكبيرة، تشكل نسبة ملحوظة من هذه المغذيات.
وبحسب الهيئة الفنلندية للبيئة “SYKE”، فإن تطبيق هذا القانون سيقلل بشكل كبير من مستويات التلوث في المناطق الساحلية، خاصة في الموانئ والممرات البحرية المزدحمة.
ردود الفعل المحلية والدولية
لاقى القرار ترحيبًا واسعًا من المنظمات البيئية الأوروبية، التي طالما طالبت بإجراءات أكثر صرامة لحماية بحر البلطيق.
وعبرت بعض شركات الشحن عن تحفظها، خاصة تلك التي تتعامل مع موانئ فنلندية بانتظام، وفقًا للهيئة الفنلندية للبيئة.
وأكدت السلطات الفنلندية أنها ستقدم فترة سماح مع رقابة تدريجية.
بالإضافة إلى العمل على توسيع محطات تفريغ مياه الصرف في الموانئ لتشجيع السفن على الالتزام دون تحميلها أعباء.
وبالتوازي مع تنفيذ الحظر، أعلنت وزارة البيئة والنقل الفنلندية عن:
– توسيع البنية التحتية في موانئها لاستقبال مياه الصرف والتعامل معها بيئيًا.
– فرض غرامات مالية على السفن المخالفة، قد تصل إلى عشرات آلاف اليوروهات حسب حجم الانتهاك.
– استخدام أنظمة المراقبة الإلكترونية والاستشعار عن بعد لرصد أي تصريف غير قانوني.
– إجراء حملات تفتيش منتظمة على السفن المارة ضمن المياه الفنلندية.
هل يمكن أن يصبح قانونًا دوليًا؟
أشارت الهيئة الفنلندية للبيئة إلى أن مراقبين يرون أن هذه الخطوة قد تشكل بداية لحركة أوسع نحو حظر تصريف مياه الصرف في المياه الساحلية لدول أخرى.
وسبق أن ناقشت المنظمة البحرية الدولية (IMO) قواعد مماثلة، لكن لم تسن على نطاق عالمي بعد.
قد تتبع بلدان أخرى تطل على بحر البلطيق مثل السويد، إستونيا، ولاتفيا، نفس النهج الفنلندي في المستقبل القريب.
كما يتوقع أن تتبنى بعض الموانئ التجارية الكبرى في أوروبا الغربية والولايات المتحدة قواعد محلية مشابهة بدافع منظمات حماية البيئة والضغط الشعبي.
تشير الخطوة الجريئة التي اتخذتها فنلندا إلى تحول حقيقي وعميق في سياسات حماية البيئة البحرية على مستوى العالم.
تتعامل الحكومة الفنلندية بجدية مع التأثيرات البيئية لسفن الشحن التي تشكل نسبة كبيرة من الحركة البحرية العالمية.
أهمية حماية السواحل
يعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا من قبل الدول الساحلية بأهمية حماية سواحلها من أن تتحول إلى ما يشبه “مصارف بحرية” للنفايات السائلة التي تهدد صحة النظام البيئي البحري بأكمله.
واعتبرت الهيئة أن تطبيق هذا الحظر سيكون له تأثير فوري محدود فقط على البيئة المحلية.
بالإضافة إلى ذلك أنه سيترك بصمة إيجابية بعيدة المدى على صحة النظام البيئي للبحار والمحيطات المجاورة.
وقالت إن تقليل تصريف مياه الصرف الصحي والملوثات الأخرى في المياه الساحلية سيحد من ظاهرة التخنث وانتشار الطحالب الضارة، والتي تسبب نقص الأكسجين الضروري للحياة البحرية.
استعادة التوازن البيئي
سيساهم هذا في استعادة التوازن البيئي الذي يعتبر حجر الزاوية لاستدامة التنوع الحيوي البحري، والحفاظ على الثروات الطبيعية التي تعتمد عليها المجتمعات الساحلية بشكل مباشر.
علاوة على ذلك، يشكل هذا القرار حافزًا قويًا للابتكار التكنولوجي في مجال معالجة مياه الصرف على متن السفن.
فمن المتوقع أن يدفع هذا التوجه الشركات والمصنعين إلى تطوير أنظمة متقدمة وأكثر كفاءة لمعالجة المياه ومخلفات السفن قبل تصريفها، ما يُحسن من الأداء البيئي لقطاع النقل البحري العالمي، بحسب الهيئة.
حماية البيئة البحرية ليس رفاهية
على المستوى الدولي، ترسل فنلندا من خلال هذا القرار رسالة قوية إلى الدول الأخرى ذات السواحل البحرية، مفادها أن حماية البيئة البحرية ليست رفاهية أو خيارًا، بل ضرورة قصوى لا تقبل المساومة.
ويعزز هذا القرار دور فنلندا كقائدة في السياسات البيئية البحرية، ويجعلها نموذجًا يُحتذى به في اعتماد تدابير صارمة وشاملة تضع حدًا للتلوث البحري الناجم عن نشاطات السفن.
كما يفتح الباب أمام إمكانية تبني قوانين مماثلة على نطاق أوسع. سواء في دول بحر البلطيق أو في مناطق بحرية أخرى حول العالم، بما يخلق شبكة حماية دولية متكاملة للبحار والمحيطات.
وشددت الهيئة أن فنلندا لا تحمي بهذا القرار فقط مياهها وسواحلها. بل تمهد الطريق لمستقبل أكثر نظافة وصحة للبحار والمحيطات.
وتسعى فنلندا إلى ضمان بيئة بحرية سليمة للأجيال القادمة. ويحافظ على تنوعها الحيوي وأهميتها الاقتصادية والاجتماعية.
ونوهت الهيئة الفنلندية إلى أن هذا هو الاتجاه الذي يحتاجه العالم اليوم. حيث تتداخل الأزمات البيئية مع التغير المناخي.
ويستلزم ذلك تعاونًا دوليًا وحلولًا جذرية تضع كوكبنا البحري على طريق الاستدامة الحقيقية، بحسب الهيئة الفنلندية.













