ما أسباب ارتفاع أسعار الشحن في الشرق الأوسط؟ «Xeneta» تكشف

الشرق الأوسط
الشحن البحري

أكدت أحدث بيانات سوق الشحن البحري، أن اضطرابات التجارة في الشرق الأوسط لم تؤدي فقط إلى صدمة أولى في حركة الملاحة؛ بل إلى سلسلة من “الموجات المتتالية” في أسعار الشحن تمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد العالمية.

ويعكس هذا النمط المعقد كيف يمكن للأزمات الجيوسياسية أن تعيد تشكيل تكاليف النقل البحري بصورة تدريجية وغير مستقرة. بدلًا من صدمة واحدة تنتهي سريعًا.

أسعار الشحن في الشرق الأوسط.. انهيار حاد في التجارة البحرية بعد تصاعد الصراع

كشفت أحد تقرير تحليلي صادر عن شركة Xeneta لتحليلات الشحن البحري، وبيانات إحصاءات تجارة الحاويات “Container Trades Statistics” أن واردات الحاويات إلى منطقة الشرق الأوسط تراجعت بنسبة 64 % خلال شهر مارس 2026 على أساس سنوي. وذلك عقب مباشرة تصاعد الصراع في أواخر فبراير الماضي.

وأوضح التقرير انخفاض صادرات المنطقة بنسبة 62 % على أساس سنوي. ما يعكس حجم الصدمة التي تعرضت لها حركة التجارة البحرية في وقت قصير للغاية.

ونوه إلى أن هذا التراجع الحاد يمثل دليلًا واضحًا على الدور المحوري الذي يلعبه مضيق هرمز في حركة التجارة الإقليمية. حيث تأثرت بشكل مباشر الموانئ الرئيسة مثل ميناء الدمام بالمملكة، وجبل علي وميناء خليفة في الإمارات العربية المتحدة، وميناء حمد في قطر.

أسعار الشحن في الشرق الأوسط.. صدمة أولى تليها ارتدادات ممتدة عبر سلاسل الإمداد

ويرى التقرير أن الانهيار المفاجئ في حركة التجارة لم يكن سوى “الزلزال الأولي”. بينما لا تزال الارتدادات تتواصل عبر سلاسل الإمداد العالمية. ويؤدي هذا النمط المتقلب إلى صعوبة كبيرة أمام الشركات في تفسير تغيرات ميزانيات الشحن. خصوصًا عندما تكون حركة التجارة غير مرتبطة مباشرة بممرات الملاحة المتأثرة بالصراع.

وأكد التحليل أن هذا النوع من الاضطراب يجعل من الصعب على مسؤولي سلاسل الإمداد تقديم تفسير دقيق للإدارات المالية حول أسباب التقلبات الحادة في تكاليف الشحن. فضلًا عن التحديات المتعلقة بتوقعات النصف الثاني من عام 2026.

نمط الموجات في أسعار الشحن

وأشار التقرير إلى ظهور نمط متكرر من الارتفاع والانخفاض في أسعار الشحن، خاصة على خط الشحن بين الصين وميناء جدة في المملكة.

فبين 28 من فبراير، وهو تاريخ تصاعد التوترات، والـ 22 من مارس، ارتفعت أسعار الشحن الفورية بنسبة 85 %. ثم شهدت الأسعار بعد ذلك تراجعًا بنسبة 14 % بحلول منتصف أبريل الماضي، ما أعطى انطباعًا أوليًا بأن السوق بدأ يستقر.

لكن هذا التراجع لم يستمر، إذ عادت الأسعار للارتفاع مجددًا فيما وصفه التقرير بالموجة الثانية، لتتجاوز مستويات الذروة السابقة المسجلة في مارس الماضي. مع توقعات بارتفاعها إلى نحو 100 % فوق مستويات ما قبل الأزمة مع بداية يونيو الجاري.

دروس من أزمات سابقة في أسواق الشحن

قال التقرير إن ذا النمط المتكرر من “الموجات السعرية” ليس جديدًا على أسواق الشحن العالمية. بل ظهر بوضوح خلال أزمات سابقة وصفت بأنها “أحداث غير متوقعة ذات تأثير كبير”.

فعلى سبيل المثال، بعد تصاعد الهجماته في البحر الأحمر في ديسمبر عام 2023، ارتفعت أسعار الشحن الفورية بين الصين والبحر المتوسط بنسبة 243 % بحلول منتصف يناير عام 2024، قبل أن تنخفض بنسبة 35 % بنهاية مارس من العام نفسه.

لكن هذا التراجع لم يعكس نهاية الأزمة، إذ عادت الأسعار للارتفاع مجددًا لتصل إلى ذروتها في منتصف يوليو عام 2024 عند مستويات أعلى بنسبة 350 % مقارنة بما قبل الأزمة. قبل أن تستغرق ستة أشهر كاملة للعودة إلى مستويات ما قبل الذروة.

تأثير الموجات السعرية على التجارة العالمية

أكد التحليل أن تأثير الأزمة لم يقتصر على خطوط الملاحة المباشرة المرتبطة بالشرق الأوسط. بل امتد إلى خطوط بعيدة مثل التجارة عبر المحيط الهادئ بين الصين والساحل الغربي للولايات المتحدة الأمريكية.

فقد شهدت هذه الخطوط ارتفاعًا أوليًا محدودًا في الأسعار، تلاه انخفاض مؤقت. قبل أن تبدأ موجة جديدة من الارتفاعات التي من المتوقع أن تدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بنحو 84 % فوق مستويات ما قبل الأزمة.

ويشير ذلك إلى أن اضطرابات الشرق الأوسط لا تبقى محصورة جغرافيًا، بل تنتقل تدريجيًا عبر الشبكات التجارية العالمية، لتؤثر على خطوط الشحن التي تبدو في الظاهر بعيدة عن مناطق الصراع.

استراتيجيات إدارة المخاطر في بيئة غير مستقرة

قال التقرير إن إدارة المخاطر في بيئة الشحن الحالية أصبحت أكثر تعقيدًا. في ظل عدم وضوح الاتجاهات السعرية واعتماد السوق على دورات من الصعود والهبوط.

وأضاف أن بعض الشركات لجأت إلى تأجيل توقيع العقود طويلة الأجل على أمل استفادة أكبر من انخفاض الأسعار الفورية. إلا أن هذا النهج أصبح أكثر خطورة مع عودة الموجة الثانية من الارتفاعات.

في المقابل، تبدو العقود طويلة الأجل أو العقود المرتبطة بالمؤشرات السعرية أكثر استقرارًا. إذ توفر درجة أعلى من التوازن بين تقلبات السوق والقدرة على التخطيط المالي، دون إلغاء كامل لمبدأ الاستفادة من تحركات الأسعار في الاتجاهين.

ما الذي ينبغي على شركات الشحن فعله؟

قال التقرير إن هناك ثلاثة محاور رئيسية ينبغي على الشركات الاعتماد عليها في المرحلة المقبلة. بغض النظر عن طبيعة خطوط الشحن المستخدمة:

أولًا، ضرورة الاعتماد على البيانات الدقيقة لفهم تحركات السوق وشرحها للإدارات المالية. حيث أصبحت البيانات التفصيلية حول الخطوط والأسعار عنصرًا أساسيًا في اتخاذ القرار.

ثانيًا، إعادة تقييم مستوى التعرض لأسعار السوق الفورية، في ظل استمرار تقلباتها وعدم استقرارها. مع الأخذ في الاعتبار مزايا العقود طويلة الأجل والعقود المرتبطة بالمؤشرات.

ثالثًا، عدم التركيز على السعر فقط عند اتخاذ قرارات التعاقد، بل إدراج عوامل مثل موثوقية جداول الإبحار، ونسب الإلغاء، وأداء الناقلات الفعلي. باعتبارها عناصر حاسمة في تقييم التكلفة الحقيقية.

وأكد التقرير أن سوق الشحن البحري يعيش حالة من إعادة التشكل المستمر؛ حيث لا تحدد الأسعار من خلال صدمة واحدة. بل عبر سلسلة من الموجات المتتالية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والتغيرات في سلاسل الإمداد.