مجدي صادق يكتب: حرب الكابلات البحرية والرهائن الرقمية وسيادة المملكة!

الكابلات البحرية

مع بداية عام 2025، تسببت السفينة الصينية “بنج 3” Yi Peng 3 بقطع الكابلات البحرية في بحر البلطيق تحت غطاء “الحوادث العرضية”، وهو ذات الأسلوب الذي تهدد به إيران باستخدامه في هرمز!

وفي رأيي، فإنه يمثل تصعيدًا خطيرًا، سواء تم تنفيذه أو لم يتم تنفيذه، لتجاوز ما يسمى “تعطيل الملاحة التقليدية المعروفة”.

وتمثل حركة سلاسل الإمداد والتوريد وإمدادات الطاقة، وصولا إلى استهداف “حركة الملاحة الرقمية”، “عصب” الاقتصاد العالمي الحديث، في ظل الثورة الرقمية.

وهو لا يقل خطرًا وتأثيرًا عن خطر إغلاق المضايق البحرية بشكل عام، أو مضايق منطقتنا بشكل خاص، وهما مضيق هرمز وباب المندب، وهما مثلما وصفهما خبراء بـ”عنق الزجاجة الرقمي” للعالم.

حجم الخطر

وحتى ندرك حجم الخطر، عندما نعلم أن نحو 17 % إلى 26 % من حركة الإنترنت العالمي تمر عبر الكابلات في المنطقة لربط مراكز البيانات الكبرى بين ثلاث قارات: أوروبا وإفريقيا وآسيا.

وتمتد خطورة هذا القطع أيضًا إلى خدمات الحوسبة السحابية، والتحويلات المصرفية الدولية، والتقنيات التكنولوجية مثل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تعتمدها الآن كبرى الشركات العالمية.

وتأتي خطورة القطع أيضًا إلى محدودية سفن إصلاح الكابلات عالميًا، والتي تبلغ نحو 60 سفينة فقط. وتأتي شركات التأمين البحري العالمية لتدخل في هذا “المعترك” برفض تقديم التغطية التأمينية للسفن حال هذا القطع.

ويكلف ذلك الاقتصاد العالمي مليونًا ونصف المليون دولار في الساعة الواحدة (!) في حين أن إصلاحه يستمر لأشهر، فاحسب إذًا حجم كل هذه الخسائر حال انقطاع الكابلات.

ويعد ذلك مُجرَّم دوليًا وفقًا للقانون الدولي، وانتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار UNCLOS، لكن تطبيق القانون في مناطق النزاع النشطة يظل التحدي الأكبر.

إذ يصعب إثبات التهمة قانونيًا، لأن تنفيذ عمليات القطع يتم عبر غواصات صغيرة أو حتى “مراسي السفن” بطريقة توحي بأنها حادث عرضي، وهو ما يسمى بـ”تكتيك المرساة” على طريقة السفينة الصينية “بنج 3”.

إلى جانب الخطة الهجينة لروسيا في بحر البلطيق وبحر الشمال لإرباك دول حلف الناتو وشل الاتصالات بين أوروبا وأمريكا الشمالية كأداة ضغط سياسي. وكذلك عسكري واقتصادي، ولذا تعتبر جزيرة “جرينلاند”. حيث تتمركز بها مع الصين “أهم قواعدها” لتلك الخطط الهجينة!

الكابلات البحرية 1

إستراتيجيات المسارات اللوجستية البديلة

ومن المؤكد أن الحرب الإيرانية، والمخاطر الاقتصادية المهولة، والتهديدات بين الفينة والأخرى، جعلت دول المنطقة تطرح إستراتيجيات للمسارات اللوجستية البديلة وقت الأزمات، سواء كانت عسكرية أو غيرها.

ويأتي هذا في الوقت الذي دعت فيه المنظمات الدولية نحو إنشاء مراكز مراقبة تحت مائية. على غرار المركز الذي اقترحه الناتو لمراقبة البنية التحتية الحيوية باستخدام طائرات بدون طيار تحت المياه، المعروفة باسم UUVs. لمسح مسارات الكابلات بشكل دائم ضد أي محاولات تشويه أو تدمير أو حتى تجسس!

بينما توجد بالفعل حلول تقنية بديلة، منها التنوع المساري بإنشاء خطوط كابلات برية بديلة تمر عبر مناطق جغرافية مختلفة. مثل الخطوط التي تربط الخليج بأوروبا عبر الأردن أو تركيا، لتقليل الاعتماد الكلي على المسارات البحرية الضيقة.

كما أن الاعتماد على شبكات الأقمار الاصطناعية مثل “ستارلينك” و”ون ويب”، وهي أقمار ذات مدار منخفض. يمثل أحد الحلول كخطة طوارئ لضمان استمرارية الاتصالات الحيوية والخدمات الحكومية حال انقطاع الكابلات.

عبقرية مستجدات رؤية 2030

لكن تأتي عبقرية مستجدات رؤية 2030 لتؤكد أنها رؤية تستحق بكل عزة وفخر. حين عملت المملكة على تأمين “السيادة الرقمية للمملكة” بعيدًا عن نقاط الشلل والاختناق البحرية مثل مضيق هرمز وباب المندب.

وبدلًا من الاعتماد الكلي على الكابلات الفرعية التي تمر عبر تلك المضايق. عملت على تطوير “ممرات بيانات” تعتمد رقميًا على الربط البري والسككي.

ويأتي مشروع “الجسر البري السعودي” كمشروع إستراتيجي حيوي عملاق. يربط موانئ الخليج العربي مثل الدمام والجبيل بموانئ البحر الأحمر مثل مينائي جدة الإسلامي ونيوم.

وإلى جانب نقل البضائع، يتم مد شبكات ألياف بصرية فائقة السرعة بمحاذاة السكك الحديدية. ما يتيح نقل البيانات من آسيا إلى أوروبا بريًا عبر المملكة، متجاوزًا مضيق هرمز تمامًا.

ممرات البيانات وجدرات رقمية بديلة

وفي الوقت الذي تقود فيه المملكة “ممر البيانات الشرق أوسطي” المعروف باسم EMC بالتعاون مع اليونان عبر شركات يونانية متخصصة. عملت المملكة أيضًا على التعاون مع سوريا كمسار بديل للربط مع اليونان.

ويأتي ذلك بدلًا من المسارات التي كانت تمر عبر مياه أو أراضٍ أخرى. بدافع إعادة دور دمشق كمركز ربط إقليمي في مواجهة التهديدات الهجينة، وتعزيز الشبكة.

علاوة على ذلك، هناك الممر الرقمي البديل الآخر عبر “نيوم”، من خلال مشاريع “جوجل” و”بلو رامان”، الذي يعتمد على مد الكابلات التي تربط الهند بالسعودية ثم الأردن، ومنها بريًا إلى البحر المتوسط حال حدوث أي أعمال تخريبية في المضايق.

وتمثل تلك المسارات، التي تعتمد على مد الألياف البصرية بمحاذاة البنية التحتية الرقمية بنظم حديثة ومتقدمة. سواء عبر السكك الحديدية أو أنابيب الغاز أو حتى شبكات الكهرباء، وسيلة لخفض تكلفة الإنشاء، مثلما أكد الاختصاصيون، بنسبة تصل إلى 40 %.

المسار البري بين المملكة ومصر

وقد أصبح المسار البري الجديد عبر المملكة ومصر، عبر سيناء، أحد أهم وأكثر المسارات كفاءة اقتصاديًا. وذلك عند حساب ما يسمى بإدارة المخاطر.

في الوقت الذي تسعى فيه دول المنطقة مثل مصر والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلى بناء “جدرات رقمية” بديلة لحماية مصالحها الاقتصادية، وحماية أمنها القومي.

يحدث ذلك في مواجهة دول مثل إيران وأذرعها الراديكالية في المنطقة، من محاولات استخدام تلك الكابلات البحرية. على غرار الصين وروسيا، كـ”رهائن رقمية” للضغط على المجتمع الدولي، فهذه هي “الخلطة الصينية الروسية”.

ويفرض هذا على المجتمع الدولي الدعوة إلى تشديد العقوبات الدولية على استهداف البنية التحتية للاتصالات وتلك “الرهائن الرقمية”. واعتبارها جريمة ضد أمن المجتمع الدولي!