هشام القشاط لـ”عالم الموانئ”: تطوير الموانئ الليبية يسير ببطء بسبب الانقسامات السياسية

الموانئ الليبية

أكد الدكتور هشام المبروك القشاط؛ المستشار البحري الليبي، أن ليبيا تسعى إلى تعزيز مكانتها في مجال النقل البحري والتجارة العابرة للقارات، عبر مجموعة مبادرات وإستراتيجيات.

وأشار إلى إمكانية تخطي ليبيا آثار الانقسامات السياسية وتآكل البنية التحتية في البلاد. لافتًا إلى أهمية إنشاء خط ملاحي يخدم مصر وليبيا.

وفي حوار مع “عالم الموانئ”، سلط القشاط الضوء على الجهود الليبية لإنشاء مناطق حرة في طبرق وبنغازي وربط ميناء سرت بأقصى الجنوب الليبي؛ لتعزيز تجارة العبور، وربط البلاد بالعمق الإفريقي. وإلى نص الحوار…

إلى أي مدى يوجد تحسن بقطاع النقل البحري وإدارة الموانئ الليبية في ظل الوضع السياسي الراهن؟

هناك تطور في صناعة النقل البحري الليبية بشكل عام، سواء فيما يتعلق بأعمال الملاحة، أو الموانئ البحرية.

لكن الجهود في هذا الإطار تتقدم ببطء لاعتمادها على الرغبة الملحة للكوادر الوطنية من الدارسين والاختصاصيين في مختلف قطاعات صناعة النقل البحري والموانئ، سواء في الجانب الحكومي أو القطاع الخاص.

وهؤلاء يحاولون جاهدين خلق بيئة عمل ناضجة، رغم التوترات والانقسامات السياسية التي تمر بها البلاد السنوات الأخيرة؛ إذ يسعون إلى رفع كفاءة الموانئ ومعدلات الأداء.

فيما تدار شركات الملاحة برأسمال وطني وبكوادر محلية لتسهم في خلق فرص عمل جديدة.

وهل هناك جهود مؤسسية في هذا الإطار؟

بالطبع هناك جهود مؤسسية تبذلها غرفة الملاحة البحرية الليبية بشكل مستمر وجاد؛ حيث تعمل على تنظيم وضبط الحركة الملاحية، وإعادة تفعيل المشاركات الليبية في الأنشطة الإقليمية، وتفعيل عضوية ليبيا في اتحاد غرف الملاحة العربية، وغيرها من الأنشطة.

تطور قطاع الموانئ البحرية السعودية

ما تقييمك لقطاع النقل البحري واللوجستي السعودي؟

التقارير الدولية، مثل تلك الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وما تنشره بعض المواقع الموثوقة، تكشف عن التطور الملموس في قطاع الموانئ البحرية السعودية، بالإضافة للخطة التي تهدف لمناولة 40 مليون حاوية بحلول عام 2030.

كما أن حجم الاستثمارات والاتفاقيات الموقعة، مثل الاتفاق مع “هاباج لويد”، كلها مؤشرات واضحة على إرادة المملكة للتطوير والرغبة في الوصول إلى مكانة عالمية في الصناعة البحرية.

خط بحري بين مصر وليبيا

هل هناك حاجة لإنشاء خط بحري بين مصر وليبيا لخدمة سفن الرورو والركاب؟

حجم التجارة بين ليبيا ومصر كبير، وكذلك تنقل الأفراد بين البلدين؛ ومن ثم أرى أنه من المجدي إجراء دراسة لإنشاء خط ملاحي يخدم البلدين، ويسهل عمليات التبادل التجاري وتنقل الركاب. مثل هذا المشروع سيكون له مردود إيجابي إذا تم تذليل الصعاب والبيروقراطية المرتبطة به.

الرؤية الإستراتيجية للتطوير

كيف يمكن تقييم الرؤية الإستراتيجية للتطوير فيما يتعلق بجذب الخطوط الملاحية الخارجية وتحسين أوضاع الكوادر البحرية؟

هناك جهود واضحة لزيادة معدلات أداء الموانئ فيما يتعلق بالموانئ البحرية، رغم تآكل البنية التحتية وعدم مواكبتها للتطورات العالمية المتعلقة بتغيير أحجام السفن، وعمليات الشحن والتفريغ.

ويتمثل ذلك في تقليل زمن بقاء السفن بالموانئ أثناء عمليات مناولة البضائع، والعمل بمهنية وكفاءة لتقليل الأضرار والعجوزات، وإن كنت لا أعتقد أن هناك سياسات وإستراتيجيات واضحة المعالم على مستوى الدولة ككل.

فإنه في الوقت ذاته لا يمكن إنكار جهود إدارات الموانئ للحاق بالركب العالمي، ومحاولة استقطاب جزء من التجارة العالمية للموانئ الليبية.

إنشاء مناطق حرة

وما الذي يمكن أن تذكره لنا فيما يتعلق بالمبادرات الواقعية لتحسين الأوضاع؟

هناك مبادرات تم تنفيذها كإنشاء مناطق حرة لخدمة تجارة العبور في كل من طبرق وبنغازي، والتجهيز لربط ميناء سرت بعمق الجنوب الليبي، ثم بالدول الإفريقية المغلقة.

بالإضافة إلى تطوير آليات العمل في ميناء المنطقة الحرة بمصراتة؛ أحد أفضل الموانئ من حيث حركة السفن، ومناولة البضائع، كما يخدم جزءًا من حركة العبور.

وإلى أين وصلت جهود جذب الخطوط الملاحية؟

بالنسبة لجذب الخطوط الملاحية، فأراه ضرورة ملحة. وبالفعل هناك محاولات جادة في هذا الاتجاه لاستعادة بعض الخطوط التي تخدم التجارة بين الموانئ الليبية والموانئ الأخرى.

ولكن هناك أيضًا خطوات يجب إنجازها لتشجيع الخطوط الملاحية على العودة؛ مثل تطوير التشريعات والبنية التحتية وزيادة ساعات العمل، وغيرها مما يهم مشغلي السفن.

وماذا عن الكوادر البشرية وأحوالهم؟

تزخر ليبيا بالكوادر المؤهلة القادرة على إدارة هذه الصناعة والإشراف عليها في كل من القطاعين العام والخاص على السواء، لكنها تحتاج حاليًا لدورات تنشيطية وزيارات ميدانية للموانئ والشركات الرائدة عالميًا، بالإضافة إلى التركيز على تأهيل العاملين الجدد؛ لسد أي احتياجات مستقبلية.

لذا أرى أهمية وضع خطة تضمن استمرار التدريب والتأهيل، لمواكبة التطورات العالمية وتلبية احتياجات سوق العمل المحلية.

الهجرة غير الشرعية

كيف تواجهون الهجرة غير الشرعية والتلوث البحري؟

موضوع الهجرة غير الشرعية قضية عالمية تؤرق العديد من دول العالم، وليبيا من الدول المتضررة منها، إلا أن الموانئ الليبية لا تتأثر مباشرة بهذا الملف؛ لأن نقاط انطلاق الهجرة غير الشرعية بعيدة عن الموانئ الليبية.

كما تحرص السلطات البحرية والشرطية على أن تكون الموانئ آمنة ومستقرة. وهناك أجهزة معنية بمعالجة هذه القضية، لكن المجتمع الدولي لم يؤد دوره الكامل في معالجة المشكلة من جذورها.

وفيما يخص التلوث البحري، تعمل مصلحة الموانئ والنقل البحري، هناك الخطة الوطنية لمكافحة الانسكابات الزيتية، وهي في انتظار التفعيل.

بالإضافة إلى الانتهاء مؤخرًا من تجهيز خطة مكافحة انسكابات المواد الضارة والسامة، وهي أيضًا في انتظار المصادقة والتفعيل من الجهات ذات العلاقة.

ما أهم ما حققته الموانئ الليبية خلال عام 2025؟

منذ خمس سنوات كان مجرد استمرار عمل الموانئ البحرية الليبية بشكل طبيعي يعد إنجازًا.

لكن ما يميز الفترة الأخيرة، وخاصة العام 2025، هو عودة بعض الخطوط البحرية للعمل عبر الموانئ الليبية؛ مثل الخط الياباني الذي بدأ رحلاته على ميناء مصراتة، مع توقعات بعودة خطوط أخرى في المستقبل القريب.

كذلك، بدأ العمل لإنشاء طريق يربط ميناء سرت بأقصى الجنوب، مع الأمل في أن يصاحبه تطوير فعلي للميناء، بما يخدم دوره في التجارة العابرة للقارات.

حوكمة الموانئ البحرية

ما المقصود بفلسفة حوكمة الموانئ البحرية؟ وهل يمكن تطبيقها على موانئ عالمية عام 2025؟

فلسفة الحوكمة في الموانئ البحرية هي عملية إدارة العلاقة بين القطاعين العام والخاص في أعمال الموانئ، استنادًا إلى التشريعات القائمة أو تطويرها، وهيكلة الإجراءات بما يخدم المصالح الاقتصادية للميناء؛ وبالتالي للدولة، مع تحقيق توازن بين الكفاءة والفاعلية في الأداء.

وتاريخيًا شملت الحوكمة في الموانئ البحرية، الإجراءات التي اتُبعت منذ عام 1979، لتغيير نمط إدارة وتشغيل الموانئ لأهداف متعددة؛ منها زيادة معدلات الإنتاج والكفاءة وتقليل الإنفاق الحكومي، مع اختلاف أهداف كل دولة وفق نموذج الحوكمة الذي تعتمد عليه.

وهذه العمليات مستمرة منذ السبعينيات من القرن الماضي، لكنها خاضعة للتطوير والتعديل حسب المتغيرات، حتى إن بعض الدول اعتمدت نموذجًا معينًا ثم ألغته لاحقًا.

فيما توجد أصوات في دول أخرى تدعو لإبعاد القطاع الخاص عن الموانئ وتأميمها، ولهؤلاء أسبابهم التي قد تكون منطقية.

التغيرات الجيوسياسية العالمية

وما تأثير التغيرات الجيوسياسية العالمية على هذه الرؤى؟

التغيرات الجيوسياسية العالمية قد تدفع بعض الدول إلى إعادة تقييم نمط إدارة وتشغيل موانئها، خاصة عندما تكون الشركات المشغلة من جنسيات أجنبية؛ ما قد يؤدي إلى عمليات تأميم أو إعادة هيكلة.

فالموانئ البحرية ليست مجرد نقاط لتسهيل حركة التجارة، أو مصدر للدخل الاقتصادي، بل هي مكون أساسي من مكونات الأمن القومي والسيادة لأي دولة؛ وبالتالي تحتاج الحوكمة فيها إلى فهم عميق للمعطيات والمتغيرات العالمية.

هل البنية التحتية الرقمية للموانئ الليبية جاهزة للتعامل مع السفن العملاقة أو ذاتية القيادة؟

بشكل عام، تحتاج الصناعات البحرية الليبية إلى إجراءات عاجلة ودقيقة لمواكبة التطورات العالمية، كما أن البنية التحتية الرقمية للموانئ الليبية غير جاهزة بعد؛ إذ تحتاج عمليات التشغيل إلى نظرة لوجستية متقدمة تتجاوز الآليات التقليدية المتمثلة في تفريغ وشحن السفن ضمن حدود الميناء فقط.

كما يجب أن ننتبه إلى أن هناك حاجة ماسة للرقمنة، وإنشاء موانئ جافة محلية وإقليمية لتعزيز القدرة الاستيعابية للموانئ، وتسهيل تدفق التجارة، وتطوير سلسلة الإمداد بشكل عام.

الخصخصة غير مطروحة حاليًا

حدثنا عن فرص الاستثمار بالموانئ الليبية ومدى احتمالات خصخصة بعضها؟

لا أعتقد أن فكرة خصخصة الموانئ البحرية الليبية مطروحة على حاليًا، وأنا شخصيًا لا أحبذ استخدام هذا المصطلح، إذ إن العملية ليست خصخصة بالمعنى اللغوي، أو كما انتهجته بريطانيا عام 1979 مثلًا، بل هو أقرب إلى إعادة الهيكلة وفق فلسفة الحوكمة التي تحدثنا عنها.

ويسهم ذلك في تذليل الصعاب أمام المستثمرين لدخول الموانئ، سواء كانوا المشغلين، أو من الخطوط الملاحية العملاقة.

ماذا تتمنى أن يتحقق لقطاع النقل البحري والموانئ الليبية خلال العام الجديد 2026؟

لدى ليبيا القدرة على لعب دور محوري في التجارة الدولية، وخدمة الدول المغلقة، والتكامل مع الدول المجاورة في التجارة الدولية؛ ما يرفع مستوى معيشة الأفراد ويحقق التنمية المكانية، ويوفر مصادر بديلة للدخل.

وأتمنى رؤية ازدهار حقيقي في كل صناعات النقل، وليس البحري فقط، ووجود منظومة لوجستية متكاملة تخدم التجارة المحلية والإقليمية، مع استفادة ليبيا من موقعها الجغرافي والإمكانيات المتاحة، بما في ذلك العنصر البشري المؤهل.