ناقلات النفط بين عودة التدفقات الروسية وواقع سوق جديد

أسواق النفط العالمية

لا يزال احتمال التوصل إلى اتفاق سلام عابر في أوكرانيا قائمًا، ومع إحراز بعض التقدم، يحاول محللو سوق ناقلات النفط قياس التأثير المحتمل على جانبي الطلب والعرض.

ويُنظر إلى أي تحول كبير في الأميال-الطنية في سوق ناقلات النفط الخام على أنه مرهون برفع الحظر الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي على النفط الروسي، وهو العامل الأكثر تأثيرًا في موازين السوق خلال السنوات الأخيرة.

تطور الأميال-الطنية منذ اندلاع الحرب

أوضح وسيط السفن جيبسون، في أحدث تقرير أسبوعي للشركة، أن الأميال – الطنية للناقلات، سواء الخام أو المنتجات الداكنة أو المنتجات النظيفة، نمت بنسبة 5.4 % في عام 2022 عقب الغزو الروسي لأوكرانيا.

بعدها ارتفعت الأميال بنسبة 7.2 % في عام 2023 بعد تطبيق الحظر الأوروبي والأمريكي وإطار سقف أسعار النفط.

ورغم أن هذا النمو لا يعود بالكامل إلى الحرب، فإن الجزء الأكبر منه كان مرتبطًا بها، خاصة في عام 2023، بحسب التقرير.

ومنذ ذلك الحين تباطأ النمو، محققًا زيادة بنحو 1 % فقط في عام 2024، قبل أن ينكمش بنسبة 1 % منذ بداية العام الجاري حتى تاريخه.

موقف أوروبا واحتمالات عودة التجارة إلى “الوضع الطبيعي”

أشارت شركة جيبسون إلى وجود جدل واسع حول ما إذا كانت تدفقات التجارة ستعود إلى طبيعتها في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

وتسعى القيادات الحالية في المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى دول البلطيق ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي، إلى منع استئناف تجارة الطاقة الروسية، لا سيما إذا تم التوصل إلى اتفاق يعتبره البعض أنه غير منصف لأوكرانيا.

وفي هذا السياق، تم الإعلان عن خطة من 28 نقطة تهدف إلى إعادة دمج روسيا في الاقتصاد العالمي ورفع العقوبات بالكامل، لكنه تم إعدادها من دون مشاركة أوروبية، بحسب التقرير.

في حين لا تزال تفاصيل الخطة المضادة ذات الـ19 نقطة غير واضحة، كما أن دور أوروبا في صياغتها غير مؤكد. ونتيجة لذلك، يبقى الموقف الأوروبي تجاه روسيا وصادراتها من الطاقة غامضًا.

تأثير محتمل على المصافي الأوروبية وتدفقات النفط الخام

أوضحت جيبسون أن افتراض تضمين أي اتفاق سلام تخفيفًا للعقوبات قد يفتح الباب لعودة جزئية للتدفقات التجارية إلى طبيعتها، إلا أن العامل الحاسم يتمثل في ما إذا كانت المصافي الأوروبية سيسمح لها بالعودة إلى استيراد النفط الخام الروسي.

ففي حال حدوث ذلك، قد تتغير التدفقات تدريجيًا لتشبه أنماط ما قبل الحرب، وإن لم تكن مطابقة لها.

ومع ذلك، من المتوقع أن يكون معدل تشغيل المصافي الأوروبية في العام المقبل أقل بنحو 500 ألف برميل يوميًا مقارنة بعام 2022، نتيجة إغلاقات مرتقبة في ألمانيا، ما يقلص فرص عودة تدفقات خطوط الأنابيب الروسية إلى مستوياتها السابقة.

وفي الوقت نفسه، استحوذ منتجون آخرون، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، على حصص سوقية في أوروبا، ما يجعل إزاحتهم أمرًا غير سهل.

المنتجات النظيفة واختلالات التجارة العالمية

شهدت الأميال-الطنية لناقلات المنتجات النظيفة قفزة كبيرة في عام 2023، مع سعي أوروبا لتعويض الإمدادات الروسية بشحنات من الشرق الأوسط والهند والولايات المتحدة.

وفي المقابل، جرى توجيه الشحنات الروسية التي كانت تتجه عادةً إلى أوروبا نحو أسواق جديدة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، ما خلق اختلالات كبيرة صبت في مصلحة مالكي الناقلات والتجار.

وقد استفادت هوامش التكرير في أوروبا والعالم في البداية من هذه التحولات، إلا أنها قد تتعرض لضغوط إذا عادت الإمدادات الروسية إلى أوروبا، خاصة في حال توقف الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على المصافي الروسية.

وفي هذه الحالة، قد تنخفض الواردات طويلة المسافة، ما يؤدي في المحصلة إلى تراجع ملحوظ في الأميال-الطنية، وهو ما يجعل رد فعل القادة الأوروبيين بالغ الأهمية لسوق ناقلات النفط.

الخصومات على النفط الروسي وتأثيرها على آسيا

أشارت شركة جيبسون إلى أن رفع العقوبات سيؤدي على الأرجح إلى تضييق الخصومات على النفط الروسي، كما سيواجه المشترون في الهند والصين منافسة أكبر على هذه الشحنات.

فقد أسهمت العقوبات الأخيرة في توسيع الخصومات، في وقت ارتفع فيه الطلب الهندي على الشحنات غير الروسية.

وبحسب مدى استعداد أوروبا لاستئناف الواردات الروسية، قد تشجع الهند والصين على زيادة الاستيراد من مصادر بديلة مثل غرب أفريقيا والأمريكتين والشرق الأوسط، تبعًا للأسعار وهوامش التكرير.

تباين التأثيرات على فئات ناقلات النفط الخام

على صعيد ناقلات النفط الخام، كانت فئتا أفراماكس وسويزماكس المستفيد الأكبر في البداية من الصراع، في حين فقدت ناقلات VLCC حصة سوقية.

ورغم أن الهند والصين تمثلان وجهتين رئيسيتين لناقلات VLCC، فإن القيود في الموانئ الروسية فرضت الاعتماد على الناقلات الأصغر.

وتغيرت هذه الديناميكية مؤخرًا، إذ دفعت العقوبات الأكثر تشددًا الهند والصين إلى زيادة وارداتهما من موردين غير روس، ما عاد بالفائدة على ناقلات VLCC.

وبناءً على ذلك، فإن أي زيادة إضافية في مشتريات الهند أو الصين من خارج روسيا قد تصب في مصلحة VLCC، ومن المتوقع أن تتضرر الناقلات الأصغر، وخاصة أفراماكس.

ناقلات المنتجات النظيفة بين المكاسب والمخاطر

في قطاع ناقلات المنتجات النظيفة، حققت فئتا LR2 وMR أكبر المكاسب في الأميال-الطنية مع دخول سقف أسعار المنتجات المكررة حيز التنفيذ.

وقد تواجه ناقلات MR تراجعًا أقل في حال عودة التدفقات التجارية إلى سابق عهدها، نظرًا لإمكانية إعادة توجيهها إلى الصادرات الروسية نحو أوروبا.

بالإضافة إلى احتمال استعادة ناقلات MR في خليج الولايات المتحدة جزءًا من حصتها السوقية في أمريكا اللاتينية.

أما ناقلات LR2، فينظر إلى آفاقها بسلبية أكبر، إذ من المنتظر أن تتحمل العبء الأكبر لأي تراجع في التجارة من الشرق إلى أوروبا.

الأسطول المظلم ودوره في “الوضع الطبيعي الجديد”

قال تقرير جيبسون إن العودة إلى “وضع طبيعي جديد” ليست سلبية بالكامل، إذ نما منذ عام 2022 ما يعرف بالأسطول المظلم أو الرمادي أو غير المشروع ليضم أكثر من 1200 سفينة، تخضع أكثر من 68 % منها للعقوبات.

فيما يتجاوز عمر أكثر من 92 % منها 15 عامًا، وأكثر من 60 % منها 20 عامًا، بحسب التقرير.

ويعمل عدد كبير من هذه السفن في تجارة إيران أو فنزويلا، لا سيما في فئتي VLCC وسويزماكس، وبالتالي لن يتأثر مباشرة برفع محتمل للعقوبات عن روسيا.

وأشار ذلك إلى أن عودة السفن التي يزيد عمرها على 20 عامًا، والتي كانت تنقل البراميل الروسية حصريًا، إلى السوق التقليدية ستكون صعبة، ما يوفر نوعًا من التحوط لملاك السفن التقليديين.

آفاق غير واضحة ومفاوضات مفتوحة

يختتم جيبسون تقريره بالإشارة إلى أن السوق يواجه مجددًا فترة من عدم اليقين، في ظل احتمالات أن تضع المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا، سواء بمشاركة أوكرانية وأوروبية أو بدونها، أسس إنهاء الأعمال العدائية.

ولا يزال من المستحيل في هذه المرحلة تحديد شكل التسوية النهائية أو سياسة أوروبا المستقبلية تجاه روسيا وصادراتها من الطاقة.

وفي الوقت نفسه، يعمل الاتحاد الأوروبي على حزمة العقوبات العشرين، وبينما يبدي دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، رغبة في إعادة دمج روسيا في الاقتصاد العالمي، فإن فرض عقوبات أمريكية إضافية يظل خيارًا مطروحًا.