استئناف الملاحة في باب المندب وسط توترات مشتعلة

مضيق باب المندب يتنفس الصعداء.. عودة حذرة للملاحة وسط بحر من المخاطر المتربصة
مضيق باب المندب يتنفس الصعداء.. عودة حذرة للملاحة وسط بحر من المخاطر المتربصة

شهد مضيق باب المندب، شريان الملاحة الحيوية بين الشرق والغرب، عودة لافتة للنشاط التجاري خلال شهر أغسطس 2025، لتكسر حالة الركود التي خيمت عليه لأكثر من عام ونصف. ورغم أن هذا الارتفاع يبعث على التفاؤل، فإنه أتي مصحوبًا بحذر شديد وقلق عميق من ملاك وشركات الشحن العالمية، التي ما زالت تنظر بعين الريبة إلى الضمانات التي يقدمها الحوثيون، في ظل استمرار التهديدات التي تشكلها هجماتهم على حركة التجارة العالمية.

قفزة نوعية في عدد الرحلات

وكشفت بيانات صادرة عن منصة “لويدز ليست إنتليجنس” البريطانية المتخصصة في الملاحة البحرية، عن قفزة نوعية في عدد الرحلات التي عبرت المضيق، حيث وصل إجمالي عدد السفن العابرة إلى 1,044 رحلة، مسجلًا بذلك أعلى مستوى له منذ مطلع عام 2024. هذه الزيادة، التي تجاوزت 10% مقارنةً بشهر يوليو، قد تكون إشارة مبكرة إلى أن بعض الشركات بدأت تتجاوز مخاوفها، وتغامر بالعودة إلى هذا المسار الأقصر والأكثر كفاءة، بعد أن كانت تفضل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد من كلفة الشحن ومدته.

لكن الحذر سيد الموقف

التحليل الدقيق للبيانات يظهر أن الارتفاع ليس مجرد زيادة عابرة، بل يتركز في قطاعات حيوية ومؤثرة في سلاسل الإمداد العالمية. فقد شهدت ناقلات الغاز الطبيعي المسال LNG زيادة غير مسبوقة، حيث قفزت أعدادها من 12 إلى 21 رحلة. ما يمثل زيادة هائلة بنسبة 75%. كما ارتفعت أعداد ناقلات الحبوب من 288 إلى 352 رحلة، مدفوعة بشكل أساسي بطلب السوق العالمي على صادرات منطقة البحر الأسود، والتي تلعب دورًا محوريًا في تأمين الغذاء لعدد كبير من الدول.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام، ورغم أهميتها، تظل بعيدة كل البعد عن مستويات ما قبل الأزمة. ففي أغسطس 2023، على سبيل المثال، كانت ناقلات الغاز المسال وحدها تسجل 68 رحلة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الأرقام الحالية. وهذا الفارق الكبير يؤكد أن ما نراه اليوم هو بداية تعافٍ حذر، وليس عودةً كاملةً وثقةً مطلقةً في أمن الممرات المائية.

“الوضع الطبيعي الجديد”.. توازن محفوف بالمخاطر

يصف الخبراء هذا الارتفاع في حركة الملاحة بأنه انعكاس لـ “الوضع الطبيعي الجديد”، حيث أصبحت شركات الشحن توازن بين خطر التعرض لهجوم في البحر الأحمر وبين التكاليف الباهظة للالتفاف حول أفريقيا. فبينما يرى البعض أن مرور السفن المرتبطة بدول كالصين واليونان يمثل مؤشرًا إيجابيًا، لا تزال الغالبية العظمى من ملاك السفن تحافظ على حذرها.

يؤكد جون زيلاس، الرئيس التنفيذي لشركة “أريستون نيفغيشن”، أن المخاطر في المنطقة ما زالت عالية جدًا، وأن أي تطبيع للعلاقات التجارية في المنطقة أمر مستبعد في المستقبل القريب. ويتفق معه بوليس هاجيوانو، الرئيس التنفيذي لشركة “سيف بولكرز”، الذي أشار إلى أن شركته ترفض بشكل قاطع إرسال سفنها إلى أي منطقة تفتقر فيها الجهات المسؤولة عن الملاحة البحرية إلى القدرة على تأمين سلامتها.

ضمانات حوثية يلفها الشك

في محاولة لتهدئة المخاوف وجذب المزيد من السفن، عمد الحوثيون إلى نشر قائمة من “الأسئلة المتكررة”، يتعهدون فيها بتوفير مرور آمن للسفن التي لا تربطها أي علاقات بإسرائيل. لكن هذه الوعود لم تفلح في تبديد الشكوك، بل زادت من تعقيد المشهد، خاصة بعد التقارير التي أشارت إلى هجوم مزعوم على ناقلة النفط “سكارليت راي” في 31 أغسطس الماضي. هذا الهجوم، إن صح، يقوض أي ضمانات سابقة ويؤكد أن جميع السفن العابرة في المنطقة معرضة للخطر، بغض النظر عن جنسيتها أو وجهتها.

مخاطر كامنة وبيانات قديمة

وفي سياق متصل، حذرت سكارليت سواريز، المحللة في شركة “درايد غلوبال”، من أن الحوثيين ما زالوا يستخدمون بيانات قديمة في تهديداتهم الموجهة ضد 64 شركة شحن، مما يجعل أي ضمانات يقدمونها عديمة الجدوى. وتشير سواريز إلى أن هذا التضارب في المعلومات، والذي لم يعد يعكس الواقع الحالي للسفن والشركات، يثير قلقًا عميقًا لدى ملاك السفن، ويجعل من الصعب عليهم الوثوق في أي وعود بالحماية.

من جانبه، وصف دون آرن كيندي من “كونترول ريسكس” محاولات الحوثيين للظهور كجهة تنظيمية للملاحة البحرية بأنها مجرد “خطوة إعلامية” تهدف إلى تلميع صورتهم، ولا تغير من حقيقة أن المخاطر ما زالت قائمة. وشدد كيندي على أن الحل يكمن في تأمين الممرات المائية بشكل كامل، وليس في مجرد إصدار بيانات ووعود لا يمكن الوثوق بها.

بشكل عام، فإن الارتفاع في حركة الملاحة عبر باب المندب، ورغم أنه يمثل بصيص أمل لعودة الحياة إلى هذا الشريان التجاري، فإنه لا يغير من حقيقة أن المخاطر ما زالت قائمة. ففي ظل استمرار استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل، يبقى خطر الهجمات الحوثية يهدد جميع السفن العابرة، ما يجعل أي محاولة لتطبيع الملاحة في المنطقة مغامرة محفوفة بالمخاطر.