أكد الدكتور حاتم عبد الجواد؛ وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس، أن الجغرافيا والممرات والمضائق البحرية تلعب دورا محوريا في حركة التجارة العالمية. وتؤثر بصورة مباشرة في تحديد مسارات السفن وسلاسل الإمداد. خاصة مع تصاعد الأزمات الأمنية والسياسية في عدد من أهم نقاط الاختناق البحرية حول العالم.
وقال “عبد الجواد” إن الجغرافيا تمثل عاملًا ثابتًا لا تستطيع الدول تغييره. وإنما يتعين عليها التكيف مع طبيعتها وإيجاد حلول تتناسب مع المتغيرات الأمنية والسياسية والاستراتيجية.
وأضاف أن الموقع الجغرافي للمضائق والممرات البحرية يحدد طبيعة الحركة من خلالها. وقد يجعل بعض المواقع نقاط اختناق تجبر السفن على اتباع مسارات محددة بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
وجاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها الجمعية البحرية المصرية تحت عنوان «الممرات والمضايق البحرية العالمية والتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على تدفق سلاسل الإمداد». امس الأحد.
الجغرافيا تفرض مسارات محددة على حركة التجارة
وأوضح أن بعض نقاط الاختناق البحرية تفرض على حركة السفن المرور عبر مسارات بعينها. بينما يؤدي تعرض هذه الممرات لأي عوائق أو اضطرابات إلى دفع السفن للبحث عن طرق بديلة. ما ينعكس على زمن الرحلات وتكاليف التشغيل وأسعار النقل والتأمين.
وأضاف أن الأزمات التي تشهدها مناطق مثل مضيق باب المندب ومضيق هرمز، إلى جانب أزمة قناة بنما، تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذه النقاط المحورية. كما نوه إلى أن أي اضطراب فيها لا يقتصر تأثيره على حركة السفن. وإنما يمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد ومعدلات التضخم وأسعار السلع والطاقة.
النقل البحري ينقل 80 % إلى 90 % من التجارة العالمية
وأشار وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس إلى أن الاقتصاد العالمي يقوم بصورة أساسية على الترابط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك. ما يجعل النقل أحد أهم عناصر هذه المنظومة.
ولفت إلى أن النقل البحري يأتي في مقدمة وسائل نقل التجارة العالمية، ويستحوذ على نحو 80 % إلى 90 % من حركة التجارة العالمية. وينقل مختلف أنواع البضائع بين الأسواق والمناطق الإنتاجية والاستهلاكية حول العالم.
اضطرابات الملاحة تهدد نموذج «التوصيل في الوقت المحدد»
وأوضح عبد الجواد أن تطور الخدمات اللوجستية خلال السنوات الماضية أدى إلى انتشار مفهوم «التوصيل في الوقت المحدد» (Just in Time). والذي يعتمد على وصول المنتجات والمواد في التوقيت المطلوب وتقليل المخزون.
وأضاف أن الاضطرابات التي شهدتها الممرات البحرية العالمية دفعت إلى إعادة النظر في هذا النموذج. نتيجة صعوبة ضمان انتظام حركة النقل في ظل الأزمات الأمنية والجيوسياسية. وما يترتب عليها من تأخير في وصول الشحنات وزيادة الاحتياجات التشغيلية.
قناة السويس تستحوذ على 12% من التجارة العالمية
واستعرض “عبد الجواد” أبرز نقاط الاختناق البحرية المؤثرة في التجارة العالمية، وفي مقدمتها قناة السويس، التي تمثل نحو 12 % من التجارة العالمية. وشهدت عبور نحو 26 ألف سفينة خلال عام 2023.
وأوضح أن قناة السويس ترتبط بشكل مباشر بالمدخل الجنوبي للبحر الأحمر عبر مضيق باب المندب. الذي تمر من خلاله نسبة تتراوح بين 10 % و12 % من التجارة العالمية المنقولة بحرا. ما يعكس الترابط بين الممرين وأهميتهما بالنسبة لحركة التجارة الدولية.
مضيق هرمز محور رئيس لتجارة الطاقة
وأشار وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس إلى أهمية مضيق هرمز باعتباره ممرا رئيسًا لتجارة الطاقة، موضحًا أن نحو 20 % من تجارة النفط العالمية تمر من خلاله. علاوة على نحو 30 % من تجارة الطاقة، بما يشمل الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال.
وأضاف أن أهمية المضيق لا تقتصر على تجارة النفط والغاز، وإنما تمتد أيضا إلى حركة تجارة الأسمدة المرتبطة بالقطاع الزراعي. ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره ذا تأثير على قطاعات اقتصادية متعددة.
«ملقا» و«جبل طارق» ضمن أهم الممرات العالمية
ذكر “عبد الجواد” أن مضيق ملقا يمثل نقطة محورية في التجارة الآسيوية والعالمية، حيث يرتبط بنحو 20 % من واردات الصين من النفط. كما يمر من خلاله ما يقدر بنحو 25 % إلى 30 % من التجارة العالمية، ويخدم حركة التجارة بين جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا.
كما تطرق إلى أهمية المضائق التركية في حركة تجارة السلع والطاقة، وأوضح أن نحو 25 % من تجارة القمح العالمية و3 % من تجارة النفط العالمية تمر من خلالها.
ونوه إلى أن مضيق جبل طارق يمثل بوابة البحر المتوسط التي تربطه بالمحيط الأطلسي، موضحا أن ما يتراوح بين 20 % و25 % من التجارة العالمية يمر عبر هذا الممر البحري.
قناة بنما تختصر المسافات بين آسيا والولايات المتحدة
وفيما يتعلق بقناة بنما، أوضح عبد الجواد أن أهميتها ازدادت عقب تنفيذ مشروع التوسعة عام 2016، وأصبحت تستحوذ على نحو 5 % إلى 6 % من التجارة العالمية المنقولة بحرا.
وأشار إلى أن القناة توفر اختصارا مهما للمسافات بين الساحلين الشرقي والغربي للولايات المتحدة. بالإضافة إلى دورها في حركة التجارة القادمة من آسيا، وهو ما يجعلها أحد الممرات الرئيسية المؤثرة في حركة التجارة الدولية.
«الجغرافيا القصرية» تفرض تكاليف إضافية على سلاسل الإمداد
وطرح عبد الجواد مفهوم «الجغرافيا القصرية»، الذي يشير إلى تأثير طبيعة الموقع الجغرافي وما يفرضه من قيود مرتبطة بالضيق أو العمق أو محدودية البدائل، في خيارات النقل وحركة التجارة.
وأوضح أن هذه القيود قد تدفع سلاسل الإمداد العالمية إلى تغيير مساراتها وتحمل تكاليف إضافية كبيرة عندما تصبح الطرق الرئيسية غير متاحة أو أكثر خطورة.
وضرب مثالا باللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلا من المرور عبر قناة السويس، موضحا أن تغيير المسار يؤدي إلى إطالة زمن الرحلة بنحو أسبوعين. بما يترتب عليه من زيادة في تكاليف التشغيل واستهلاك الوقود واحتياجات السفن، فضلا عن انعكاس ذلك على زمن وصول البضائع إلى الأسواق.
البدائل البرية لا تعوض النقل البحري
وأكد وكيل إدارة التخطيط بهيئة قناة السويس أن البدائل البرية لا تمثل دائما حلا مكافئا للنقل البحري. سواء بسبب ارتفاع تكلفتها أو محدودية قدرتها على استيعاب الأحجام الهائلة من البضائع التي ينقلها الأسطول البحري العالمي.
وأوضح أن ذلك يجعل بعض الممرات البحرية ذات أهمية لا يمكن تعويضها بسهولة. خاصة مع ضخامة أحجام التجارة التي تعتمد على النقل البحري، وارتباطها بمناطق الإنتاج والأسواق الرئيسية حول العالم.
نقاط الاختناق تؤثر في أسعار السلع والطاقة
وأكد “عبد الجواد” أن نقاط الاختناق البحرية لا تمثل مجرد مواقع جغرافية تمر عبرها السفن. وإنما تحولت إلى عناصر مؤثرة في الاقتصاد العالمي، نظرا لارتباطها بتدفقات السلع والطاقة والمواد الخام.
وأشار إلى أن أي اضطراب في أحد هذه الممرات يمكن أن يؤدي إلى إعادة ترتيب مسارات التجارة، وزيادة تكاليف النقل والتأمين. ما ينعكس في النهاية على الأسواق وأسعار السلع والطاقة وسلاسل الإمداد.
أمن الممرات البحرية عنصر أساسي لاستقرار الاقتصاد العالمي
وأوضح وكيل إدارة التخطيط أن المضائق والممرات البحرية العالمية تحول الجغرافيا من عامل طبيعي ثابت إلى عنصر اقتصادي واستراتيجي مؤثر.
وقال إن السيطرة على مسارات التجارة أو تعطلها يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة والغذاء ومعدلات التضخم. بما يجعل أمن الممرات البحرية واستقرارها أحد العوامل الرئيسية في استقرار الاقتصاد العالمي.













