تشهد سوق ناقلات النفط العملاقة VLCC حالة من الانفصال المتزايد بين أساسيات العرض والطلب وأسعار الشحن، بعدما تراجعت مؤشرات الطلب الفعلي خلال أغسطس، في الوقت الذي ارتفع فيه عدد السفن المتاحة في حالة الصابورة مع انتهاء المزيد من الناقلات من عملياتها.
وعادةً ما يؤدي اتساع المعروض المتاح من السفن إلى تخفيف الضغوط على أسعار الشحن، إلا أن السوق الحالية لا تتحرك وفق هذه القاعدة بصورة كاملة. إذ حافظت الأسعار على قوتها، بل واصلت الارتفاع في بعض المسارات، رغم تحسن توافر السفن.
ويظهر هذا التباين بصورة أكثر وضوحًا في منطقة الخليج العربي، حيث تزايد تمركز ناقلات VLCC في حالة الصابورة المتجهة إلى المنطقة. بينما ارتفع عدد السفن المنتظرة شرق مضيق هرمز إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2025.
ورغم زيادة الطاقة الاستيعابية المتاحة بالقرب من الخليج، ظلت أسعار نقل الشحنات من المنطقة أعلى بفارق كبير من مستويات الرحلات المماثلة خارج المضيق.
جاء ذلك بحسب أحدث تقرير لشركة Vortexa، وهي شركة بريطانية متخصصة في بيانات وتحليلات أسواق الطاقة والنقل البحري. وتعمل بشكل أساسي على تتبع وتحليل حركة شحنات النفط والغاز المنقولة بحرًا في الوقت الفعلي.
وأشارت هذه التطورات إلى أن تقييم السوق لم يعد يعتمد بصورة أساسية على العدد الإجمالي للسفن المتاحة. وإنما على مدى استعداد المالكين لتشغيل سفنهم تجاريًا في مناطق معينة، وقدرتها على الوصول إلى موانئ التحميل المختلفة في ظل المخاطر الأمنية القائمة.
وفي الوقت نفسه، يمنح هذا الوضع أسعار الشحن دعمًا قويًا في الوقت الراهن. لكنه يجعل السوق عرضة لتحول سريع في المعروض إذا عادت حركة العبور في الخليج إلى طبيعتها. وهو ما قد يحدث قبل أن تبدأ الزيادة الهيكلية في الطاقة الاستيعابية الناتجة عن دورة بناء السفن الجديدة في التأثير الكامل.
تراجع الطلب على VLCC مع انكماش أطنان-الميل
تراجع الطلب العالمي على ناقلات النفط الخام الرئيسية، محسوبًا بأطنان-الميل، خلال أغسطس، رغم اختلاف أداء قطاعات السوق.
وظل الطلب على ناقلات Suezmax وAframax متماسكًا، مدعومًا بزيادة التدفقات من حوض الأطلسي باتجاه أوروبا والبحر المتوسط. بينما تحمل قطاع VLCC الجزء الأكبر من الانخفاض في الطلب الإجمالي.
وبالنسبة إلى ناقلات VLCC، تركز التراجع بصورة رئيسية في مناطق التحميل المرتبطة بالتجارة طويلة المسافة.
فقد انخفض الطلب من خليج المكسيك بنسبة 38 % على أساس شهري. في حين تراجع الطلب من البحر الأحمر إلى أقل من نصف مستواه المرتفع المسجل في يوليو.
أما التجارة التقليدية من الخليج العربي إلى آسيا. فقد تغيرت طبيعة النشاط فيها نتيجة استمرار الصراع. مع زيادة عمليات النقل المكوكية وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى STS حول منطقة الخليج.
وأدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين حجم نشاط الرحلات والطلب الفعلي على ناقلات VLCC. إذ باتت هناك حاجة إلى عدد أكبر من الرحلات القصيرة دون أن تنتج عنها أطنان-ميل مماثلة لما تولده الرحلات التقليدية الطويلة من الخليج العربي إلى آسيا.
ومع ضعف الطلب على الرحلات طويلة المسافة من حوض الأطلسي أيضًا، تراجعت الصورة الأساسية للطلب على ناقلات VLCC بصورة واضحة. رغم استمرار النشاط التشغيلي للسفن.
ارتفاع عدد ناقلات VLCC في حالة الصابورة
شهد جانب المعروض تغيرًا ملحوظًا منذ يوليو، مع ارتفاع عدد ناقلات VLCC الموجودة في حالة الصابورة بنحو 25 % مقارنة بأدنى مستوى سجلته في يوليو الماضي. واستمرار هذا الارتفاع لما يقرب من شهر.
وبحلول نهاية أغسطس الماضي، أصبح عدد ناقلات VLCC المحملة قريبًا من عدد السفن الموجودة في حالة الصابورة، عند نحو 350–360 سفينة لكل فئة.
ويمثل ذلك تحولًا كبيرًا مقارنة بالفترة التي سبقت أزمة مضيق هرمز، عندما كانت السفن المحملة تشكل الجزء الأكبر من الأسطول المتاح.
وامتد ارتفاع عدد السفن في حالة الصابورة إلى اتجاهي التموضع الرئيسيين.
فقد ارتفع عدد ناقلات VLCC المتجهة نحو الأطلسي من نحو 70 سفينة في يوليو إلى قرابة 100 سفينة. رغم أن المستوى لا يزال بعيدًا عن الذروة المسجلة في مارس وأبريل الماضيين عند نحو 165 سفينة.
وفي الوقت نفسه، زاد عدد الناقلات المنتظرة شرق مضيق هرمز من مستويات محدودة لم تتجاوز بضع سفن في أوائل يوليو إلى نحو 40 سفينة بحلول أواخر أغسطس الماضي.
مخاطر هرمز تتفوق على أساسيات السوق
تضع هذه التطورات سوق VLCC أمام معادلة غير معتادة: الطلب المحسوب بأطنان-الميل يتراجع، وعدد السفن الموجودة في حالة الصابورة يرتفع. لكن أسعار الشحن لا تنخفض تبعًا لذلك.
ويبدو أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد الأسعار، على حساب بعض المؤشرات التقليدية للعرض والطلب.
وتتركز هذه الظاهرة حول مضيق هرمز. حيث أصبحت أسعار الشحن للتحميلات الواقعة غرب المضيق منفصلة بصورة متزايدة عن المستويات المسجلة في الأسواق الواقعة شرق هرمز.
ويعكس ذلك علاوة المخاطر التي يطلبها المالكون مقابل دخول الخليج العربي والعبور منه. في أعقاب الهجمات المتكررة التي تعرضت لها السفن التجارية.
وبحلول أواخر أغسطس، تجاوز سعر الشحن على خط رأس تنورة–نينغبو مستوى 120 دولارًا للطن، مقابل نحو 45 دولارًا للطن على خط مينا الفحل–نينغبو.
ويكتسب اتساع الفارق أهمية خاصة لأنه يتزامن مع ارتفاع عدد ناقلات VLCC المنتظرة شرق هرمز.
ويعني ذلك أن زيادة توافر السفن خارج المضيق لا توفر سوى دعم محدود للسوق. طالما استمر المالكون في التردد بشأن تعريض سفنهم لمخاطر التشغيل داخل الخليج.
تحسن الملاحة قد يطلق طاقة استيعابية كبيرة
رغم الدعم الذي توفره المخاطر الجيوسياسية للأسعار، فإن الهيكل الحالي للسوق يحمل في الوقت نفسه مخاطر هبوطية واضحة.
فتمركز عدد كبير من السفن شرق مضيق هرمز يجعل الأسعار شديدة الحساسية لأي تحسن في الوضع الأمني داخل الخليج.
وفي حال انخفضت مخاطر العبور، لن يضطر المالكون الذين تمركزوا بالفعل بالقرب من المضيق إلى القيام برحلات طويلة لإعادة وضع سفنهم والمنافسة على الشحنات في الخليج العربي.
وبالتالي، يمكن أن تصبح شريحة كبيرة من السفن المنتظرة أو الموجودة في حالة الصابورة قادرة على المنافسة على الشحنات الخليجية خلال فترة قصيرة نسبيًا.
السفن الجديدة تبدأ في زيادة المعروض الرئيسي
تأتي هذه التطورات في وقت يتقدم فيه عمر أسطول VLCC، بالتزامن مع بدء دخول دفعات جديدة من السفن إلى السوق.
لكن حجم الأسطول القديم القابل فعليًا للمنافسة في السوق الرئيسية أقل مما قد توحي به بيانات الأعمار.
ويبلغ عدد السفن التي تتجاوز أعمارها 20 عامًا نحو 22 % من الأسطول النشط، إلا أن نحو 63 % من هذه الفئة خاضع للعقوبات.
وبذلك، لا تمثل ناقلات VLCC البالغة 20 عامًا فأكثر وغير الخاضعة للعقوبات سوى نحو 8 % من إجمالي الأسطول.
وفي المقابل، بدأ الأسطول الجديد الذي يدخل الخدمة في التأثير على تجارة النفط الخام الرئيسية.
وتسارعت وتيرة تشغيل ناقلات VLCC التي تم تسليمها خلال عام 2026 في شهري يوليو وأغسطس الماضيين. مع توجه غالبية الرحلات خلال أغسطس إلى منطقة الخليج العربي.
ورغم أن مساهمة هذه السفن في إجمالي النشاط لا تزال محدودة. فإن اتجاهها إلى التجارة الرئيسية يقدم مؤشرًا مبكرًا على أن الطاقة الاستيعابية الجديدة تتدفق مباشرة إلى السوق الأساسية.













