ازدحام الموانئ يتفاقم.. 21% نموًا في الطاقة الاستيعابية مقابل 28% للتداول

الموانئ

تتزايد اختناقات الموانئ في عدة مناطق حول العالم؛ ما يفاقم اضطرابات حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

وذلك في وقت أشارت فيه شركة ميرسك إلى ما وصفته بنحو 15 عامًا من نقص الاستثمار في البنية التحتية للموانئ.

لكن شركة “دروري” المتخصصة في تحليل قطاع النقل البحري، تقدم رؤية أكثر تعقيدًا، معتبرة أن ارتفاع مخاطر ازدحام الموانئ لا يرتبط فقط بنقص الطاقة الاستيعابية. وإنما بمجموعة من الاتجاهات والقيود التي تؤثر في قدرة الموانئ على التعامل مع الاضطرابات.

وأظهر ملخص المخاطر الجديد الصادر عن درويري تحت عنوان «إشارات السوق» تدهورًا واضحًا في مؤشرين رئيسيين. هما ارتفاع متوسط أوقات انتظار السفن عالميًا، وتراجع انتظام مواعيد سفن الحاويات.

ومن المقرر إتاحة تقرير «إشارات السوق – شحن الحاويات» للعملاء في 4 سبتمبر القادم.

أوقات الانتظار تتضاعف

يمتد تأثير ازدحام الموانئ والتأخيرات الناتجة عنه إلى جميع أطراف سلسلة الشحن، من الخطوط الملاحية إلى أصحاب البضائع.

وخلال الأسبوع الـ32، في أوائل أغسطس، تسببت الأعاصير بالصين في وصول متوسط فترة انتظار سفن الحاويات للحصول على رصيف إلى 3.6 يوم. وفق بيانات دروري الواردة في تقريرها الدوري عن الموانئ والمحطات.

لكن المشكلة تتجاوز الاضطرابات المرتبطة بالطقس. إذ تضاعف متوسط أوقات انتظار السفن عالميًا تقريبًا بين الأشهر السبعة الأولى من 2019 والأشهر السبعة الأولى من 2026.

كما ارتفع كل من وقت انتظار السفن وإجمالي فترة وجودها داخل الموانئ منذ عام 2019.

لكن الجزء المخصص لانتظار الرصيف أصبح يمثل نسبة أكبر من إجمالي فترة التوقف، مقارنة بالوقت الذي تستغرقه عمليات المناولة داخل المحطة.

ويشير ذلك إلى أن ضغوط الازدحام أصبحت تتزايد قبل وصول السفينة إلى الرصيف.

وساهم ارتفاع أوقات انتظار الأرصفة في زيادة متوسط الوقت الذي تقضيه سفن الحاويات داخل الموانئ بنسبة 31 % بين عامي 2019 و2026. مع تفاوت كبير بين المناطق.

وبالتالي، أصبحت سفن الحاويات أقل إنتاجية داخل الموانئ، وتقضي وقتًا أطول في انتظار الأرصفة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل جائحة كوفيد-19.

«ميرسك»: الطاقة الاستيعابية غير كافية

وقال فينسنت كليرك؛ الرئيس التنفيذي لشركة A.P. Moller-Maersk، إن الطاقة الاستيعابية لموانئ الحاويات غير كافية. وهو ما يساهم في زيادة الازدحام في عدة مناطق، من بينها أوروبا، والساحل الشرقي لأمريكا الجنوبية، وغرب أفريقيا، والشرق الأوسط.

وأوضح أن هذه الضغوط تتزامن مع النمو القوي لصادرات الحاويات من آسيا.

كما أشار إلى أن زيادة التجارة واختلال التوازن في تدفقات البضائع يأتيان بعد نحو 15 عامًا منذ الأزمة المالية، شهدت خلالها الاستثمارات في طاقة المحطات تأخرًا عن نمو الاحتياجات.

لكن درويري ترى أن الصورة ليست بهذه البساطة.

ارتفاع معدلات التشغيل يزيد صعوبة التعافي

أوضحت دروري أن قدرة الموانئ على التعامل مع الاضطرابات تتأثر بصورة كبيرة بمعدل استخدام الأرصفة.

وقد تحتاج المحطة التي تعمل بمعدل استخدام يبلغ 90% إلى نحو أسبوع كامل للتعافي من اضطراب يستمر يومًا واحدًا. بينما يمكن لمحطة تعمل بمعدل استخدام يبلغ 75% أن تتعافى خلال نحو يومين.

ويرى مستشارو الموانئ في درويري أن الفارق بين معدلي الاستخدام ربما يمثل، في السنوات العادية. الفرق بين تحقيق عائد تنافسي على رأس المال وعدم تحقيقه.

وبالتالي، فإن خفض معدلات الاستخدام وترك طاقة احتياطية كبيرة قد يكون مفيدًا في مواجهة الاضطرابات. لكنه في الوقت نفسه قد يقلل من كفاءة استخدام الأصول وعوائد الاستثمار.

إستراتيجيات الخطوط الملاحية تضيف ضغوطًا

لا تقتصر المشكلة على مشغلي المحطات؛ إذ ترى درويري أن شركات النقل البحري ومشغلي الموانئ يعملون في إطار حوافز اقتصادية متشابهة. تركز بدرجة كبيرة على خفض التكاليف وتحقيق العوائد. وليس بالضرورة على بناء مرونة إضافية في سلاسل الإمداد.

وقد تسبب بعض إستراتيجيات الخطوط الملاحية الرامية إلى تعظيم العوائد، مثل: إلغاء الرحلات، وتشغيل رحلات إضافية غير مجدولة. وإضافة سفن إلى بعض الخطوط. زيادة حادة ومفاجئة في تدفقات السفن إلى الموانئ الرئيسة خلال فترات الذروة.

وتؤدي هذه الزيادات المفاجئة في التدفقات إلى ضغط أكبر على ساحات التخزين والأرصفة. وقد ترفع أوقات انتظار السفن داخل الموانئ.

الطاقة الاستيعابية تنمو.. ولكن أبطأ من التداول

وبالاستناد إلى قواعد بياناتها العالمية الخاصة بالطاقة الاستيعابية للموانئ وحجم المناولة ومعدلات الاستخدام. حللت دروري أداء 9 موانئ رئيسة للحاويات.

وأظهر التحليل أن الطاقة الاستيعابية للمحطات في هذه الموانئ ارتفعت في المتوسط بنسبة 21 % بين عامي 2019 و2026. مقابل نمو بلغ 28 % في أحجام التداول خلال الفترة نفسها.

وأشارت هذه الفجوة إلى أن أحجام البضائع نمت بوتيرة أسرع من الطاقة الاستيعابية المتاحة. وهو ما يترك بعض الموانئ أكثر عرضة للازدحام، خصوصًا خلال فترات الذروة أو عند وقوع اضطرابات مفاجئة.

وسجلت سنغافورة نموًا في طاقتها الاستيعابية تجاوز قليلًا نمو أحجام التداول. بينما لم تحقق موانئ مثل شنغهاي، وجواهر لال نهرو، وسانتوس، وتشينغداو الوتيرة نفسها.

سانتوس وروتردام.. أمثلة على اختلاف أسباب الازدحام

وفي ميناء سانتوس، ارتبطت الضغوط بتأخيرات مرتبطة بامتياز STS10، والقيود المفروضة على النقل البري. إلى جانب النمو القوي في الطلب.

أما في الصين وأوروبا فاتجه مشغلو المحطات، الذين ينتمي معظمهم للقطاع الخاص. إلى زيادة معدلات استخدام الأصول. بينما نمت الطاقة الاستيعابية بوتيرة أبطأ من أحجام التداول.

وفي ميناء روتردام، ظلت الطاقة الاستيعابية ثابتة، بعد إغلاق إحدى محطات الحاويات الأصغر في عام 2020. عندما تراجعت أحجام التداول واشتدت المنافسة من المحطات الأكبر.

«دروري»: المشكلة ليست «نقص الاستثمار» فقط

وتخلص دروري إلى أن قطاع الموانئ لا يشهد بالضرورة اتجاهًا عالميًا موحدًا يتمثل في نقص الاستثمار في الطاقة الاستيعابية.

ومشغلو المحطات، في معظم المناطق، يواصلون الاستثمار وزيادة الطاقة الاستيعابية. لكنهم في الوقت نفسه يعملون على رفع معدلات استخدام الأصول القائمة لتحقيق عوائد أفضل.

وأشارت دروري إلى أن مشغلي المحطات وحدهم لا يستطيعون تمويل الطاقة الاستيعابية الاحتياطية اللازمة لمواجهة الاضطرابات. لأن الحفاظ على قدر كبير من الطاقة غير المستخدمة يفرض تكلفة اقتصادية يصعب تبريرها تجاريًا.

وبالتالي، فإن مشكلة ازدحام الموانئ لا يمكن اختزالها في نقص الاستثمار فقط. وإنما ترتبط أيضًا بكيفية تشغيل الطاقة الاستيعابية المتاحة، وطبيعة الحوافز الاقتصادية للخطوط الملاحية والمحطات، وتقلب تدفقات السفن والبضائع.

ونوهت دروري إلى أن منظومة شحن الحاويات الحالية تم تصميمها بالدرجة الأولى لتحقيق الكفاءة وخفض التكاليف. وليس لبناء قدر كبير من المرونة والقدرة الاحتياطية لمواجهة الاضطرابات.