أثارت التحركات غير المعتادة لبعض السفن المرتبطة بروسيا فوق شبكات الكابلات البحرية الأوروبية تحت سطح البحر تساؤلات متزايدة لدى الجهات الأمنية والاستخباراتية الغربية. خاصة مع تكرار سلوكيات لا تبدو مبررة من الناحية التجارية أو التشغيلية.
ومن أبرز هذه الممارسات مثل الإبحار المتعرج فوق مسارات الكابلات، والتسكع لفترات طويلة بالقرب منها، والانقطاع المؤقت لإشارات نظام التعريف الآلي (AIS).
ووفقًا لأحدث تحليل نشرته شركة Windward المتخصصة في الاستخبارات البحرية، فقد تم رصد هذه الأنماط في عدد من المناطق الأوروبية الحساسة. من بحر البلطيق إلى شمال الأطلسي والقطب الشمالي. بما يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة أو مصادفات تشغيلية عابرة.
الكابلات البحرية تدخل دائرة الصراع الجيوسياسي
تأتي هذه التطورات في وقت تزداد فيه أهمية حماية البنية التحتية البحرية الحيوية. خاصة بعد حادثة تخريب خطوط أنابيب نورد ستريم عام 2022. والتي دفعت حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تعزيز جهوده لحماية الأصول الاستراتيجية تحت سطح البحر.
وباتت الكابلات البحرية التي تنقل معظم حركة الاتصالات والبيانات العالمية تُعد من أكثر البنى التحتية حساسية. ما جعل أي نشاط غير اعتيادي بالقرب منها محل اهتمام متزايد من الجهات الأمنية الأوروبية.
ناقلة من أسطول الظل تكرر الإبحار المتعرج فوق كابلات الأطلسي
من أبرز الحالات التي وثقتها Windward ناقلة نفط خاضعة للعقوبات ترفع علم الكاميرون وتعمل ضمن ما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي. فقد قامت خلال رحلتين منفصلتين في فبراير وأبريل 2026 بالإبحار بشكل متعرج فوق منطقة من المحيط الأطلسي تضم كابلات بحرية رئيسية أثناء التفافها حول بريطانيا.
كما سبق لهذه السفينة أن أوقفت بث إشارات نظام التعريف الآلي لأكثر من 24 ساعة في يناير 2026 فوق المنطقة نفسها تقريبًا. قبل أن تعود لاحقًا لتكرار السلوك ذاته، ما اعتبرته الشركة نمطًا يستحق المتابعة والتدقيق.
انحرافات متكررة قبالة الدنمارك وألمانيا
وفي حالة أخرى، تم رصد ناقلة منتجات نفطية ترفع العلم الروسي ومملوكة لجهة روسية وخاضعة للعقوبات. وهي تنفذ مرتين مسارات أخذتها مباشرة فوق كابلات بحرية قبالة سواحل الدنمارك وألمانيا خلال نوفمبر 2025 ويناير 2026.
وترى الشركة أن تكرار العبور فوق البنية التحتية نفسها خلال فترات متقاربة يثير تساؤلات إضافية. خاصة في منطقة تشهد مراقبة مكثفة من السلطات الأوروبية.
سفالبارد وغرينلاند ضمن المناطق المستهدفة
كما تم تسجيل تحركات غير اعتيادية لناقلة تزويد بالوقود صغيرة ترفع العلم الروسي. وخاضعة للعقوبات فوق نظام كابلات سفالبارد البحري الذي يربط الأرخبيل النرويجي بالبر الرئيسي. إضافة إلى بقائها بالقرب من كابل غرينلاند كونيكت الذي يربط غرينلاند وآيسلندا وكندا خلال فترات مختلفة من عام 2025.
ورغم عدم وجود دليل مباشر على وقوع أعمال تخريبية. فإن استمرار تكرار هذه الأنماط في محيط كابلات إستراتيجية يثير مخاوف متزايدة لدى الجهات المختصة.
2700 حادثة قرب الكابلات
تكشف بيانات Windward أن أكثر من 2700 حادثة سُجلت عالميًا خلال الربع الأول من عام 2026 لسفن بقيت بالقرب من مسارات الكابلات البحرية لأكثر من 24 ساعة.
كما تندرج الحالات المرتبطة بالسفن الروسية ضمن هذا الاتجاه الأوسع. لكنها تكتسب أهمية خاصة. بسبب ارتباط عدد من هذه السفن بالعقوبات الدولية أو بأسطول الظل الروسي.
الاستخبارات السلوكية
وأكدت الشركة أن المشكلة لا تكمن في هوية السفن أو أعلامها فقط، بل في الأنماط السلوكية المتكررة. التي لا تستطيع أدوات المراقبة التقليدية اكتشافها بسهولة.
ففي حين تظهر أنظمة AIS مواقع السفن وتحركاتها. تسمح أدوات الاستخبارات السلوكية الحديثة بتحليل الأنشطة المتكررة عبر الزمن وربطها بالبنية التحتية الحيوية والبيئة الجيوسياسية المحيطة.
حماية الكابلات البحرية تدخل مرحلة جديدة
كما تتجه الجهات المشغلة للكابلات البحرية والسلطات الحكومية إلى الاعتماد بشكل أكبر على أنظمة المراقبة. متعددة المصادر التي تجمع بين بيانات الأقمار الصناعية، ورادارات الفتحة الاصطناعية (SAR). والصور البصرية (EO)، وبيانات الترددات الراديوية (RF). إضافة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي البحري.
كما يبدو أن التحدي لم يعد يقتصر على معرفة مكان وجود السفينة. بل أصبح يتمثل في فهم أسباب وجودها. وسلوكها المتكرر بالقرب من الأصول الحيوية تحت سطح البحر. في وقت تتزايد فيه أهمية حماية البنية التحتية البحرية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية.













