“Windward”: التشويش على “GPS” يربك الملاحة البحرية العالمية

التشويش

أصبح التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) أحد أبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل البحري العالمي. في ظل الارتفاع غير المسبوق لحوادث التداخل على إشارات الملاحة خلال عام 2026. خاصة في منطقة الخليج العربي التي استحوذت وحدها على الغالبية الساحقة من هذه الحوادث.

ووفقاً لبيانات شركة Windward المتخصصة في التحليلات البحرية، اليوم. تم تسجيل نحو 978 ألف حادثة تشويش على GPS حول العالم خلال الربع الأول من عام 2026، تركز 98 % منها في منطقة الخليج العربي. ما أثر بشكل مباشر على أكثر من 1100 سفينة تعمل في مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان.

ما المقصود بالتشويش على “GPS”؟

يعرف التشويش على نظام GPS بأنه تدخل متعمد في إشارات تحديد المواقع التي تعتمد عليها السفن والطائرات وأنظمة الملاحة المختلفة. بهدف منعها من تحديد موقعها الحقيقي أو تضليلها بإحداثيات غير صحيحة.

ويتم ذلك عبر أسلوبين رئيسيين؛ الأول يتمثل في حجب الإشارة من خلال بث تداخلات راديوية قوية تمنع أجهزة الاستقبال من التقاط إشارات الأقمار الصناعية. أما الثاني فيعتمد على إرسال إشارات مزيفة تؤدي إلى ظهور السفن أو الأهداف في مواقع غير حقيقية.

ويمثل هذا النوع من التدخل تهديدًا مباشرًا للملاحة البحرية. إذ يؤثر على قدرة السفن على تحديد مواقعها بدقة ويقوض موثوقية بيانات التتبع المستخدمة من قبل سلطات الموانئ وخفر السواحل وشركات الشحن.

تصاعد غير مسبوق خلال 2026

رغم أن التشويش على GPS يُستخدم منذ سنوات طويلة في الأغراض العسكرية والاستخباراتية. فإن عام 2026 شهد تصاعدًا غير مسبوق في حجم وانتشار هذه العمليات.

وأشارت Windward إلى أن الأسبوعين الأولين من الصراع الإيراني شهدا أسرع زيادة في حوادث التشويش البحرية المسجلة حتى الآن. ما جعل الربع الأول من العام الحالي الأعلى على الإطلاق من حيث تركز عمليات التشويش المرتبطة بالملاحة البحرية.

ثلاثة أسباب رئيسية وراء انتشار الظاهرة

يرتبط التوسع الحالي في عمليات التشويش بثلاثة عوامل رئيسية. أولها يتمثل في الأنشطة العسكرية المرتبطة بالنزاعات. حيث تُستخدم تقنيات التشويش لحماية التحركات العسكرية ومنع الخصوم من تعقب الأهداف أو استهدافها.

أما العامل الثاني فيرتبط بمحاولات التحايل على العقوبات الدولية. إذ تلجأ بعض السفن الخاضعة للعقوبات إلى التلاعب بإشاراتها لإخفاء تحركاتها أو عمليات النقل البحري التي تقوم بها. ووفقًا للشركة، بلغ عدد سفن “الأسطول المظلم” التي تتم متابعتها عالمياً نحو 2108 سفن خلال الربع الأول من عام 2026.

ويتمثل العامل الثالث في استخدام التشويش كأداة للضغط السياسي والاقتصادي أو لتعطيل التجارة البحرية في المناطق ذات الحساسية الجيوسياسية المرتفعة.

كيف يظهر التشويش في الواقع؟

في البيئات المتأثرة بالتشويش تصبح بيانات نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) أقل موثوقية، نظرًا لاعتمادها بشكل أساسي على بيانات GPS.

وقد يؤدي ذلك إلى ظهور السفن في مواقع غير حقيقية أو إظهارها وكأنها انتقلت لمسافات شاسعة خلال فترة زمنية قصيرة. أو تجمعها في مواقع غير منطقية لا تتوافق مع أنماط الحركة البحرية المعتادة.

وفي بعض الحالات، قد توحي البيانات بحدوث عمليات نقل بحري أو رسو أو زيارات لموانئ لم تحدث فعليًا. كما سجلت حالات ظهرت فيها سفن داخل أراضي أو مناطق لا يمكن أن تكون موجودة فيها فعليًا نتيجة التلاعب بالإحداثيات.

الخليج العربي يتصدر خريطة التشويش العالمية

أظهرت بيانات الربع الأول من عام 2026 أن الخليج العربي أصبح المركز الرئيسي عالميًا لحوادث التشويش. حيث استحوذت مناطق مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان على 98 % من إجمالي الحوادث المسجلة عالميًا.

كما برزت مناطق أخرى كمراكز رئيسية للتشويش، من بينها بحر البلطيق، وخاصة خليج فنلندا وشرق البلطيق. إضافة إلى البحر الأسود الذي سجل أكثر من 7600 حادثة خلال الفترة نفسها نتيجة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

وشهدت كذلك مناطق شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليج عدن والسواحل السودانية مستويات مرتفعة من التشويش المرتبط بالتوترات الأمنية والنزاعات الإقليمية.

تداعيات مباشرة على الشحن والتأمين

لا تقتصر آثار التشويش على صعوبة تحديد المواقع فقط، بل تمتد لتشمل مختلف جوانب العمليات البحرية.

فبالنسبة لمشغلي السفن، يؤدي التشويش إلى زيادة مخاطر الحوادث والتصادمات وتعطيل عمليات تتبع الشحنات. أما شركات التأمين وأندية الحماية والتعويض (P&I)، فتواجه صعوبة أكبر في تقييم المخاطر التشغيلية والتحقق من مسارات السفن.

كما تعاني سلطات الموانئ والجهات الرقابية من تراجع قدرتها على متابعة حركة السفن وإدارة عمليات البحث والإنقاذ والاستجابة للحوادث البحرية.

الذكاء الاصطناعي يصبح خط الدفاع الجديد

في مواجهة هذه التحديات، تتجه الصناعة البحرية بشكل متزايد نحو الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة المراقبة متعددة المصادر.

وتعتمد هذه الأنظمة على مقارنة بيانات AIS بصور الأقمار الصناعية والرادارات وبيانات الترددات الراديوية. للكشف عن أي أنماط غير طبيعية تشير إلى وجود تشويش أو تلاعب.

كما تتيح تقنيات الاستشعار المتقدمة، مثل رادارات الفتحة الاصطناعية (SAR) والصور البصرية (EO) وأنظمة كشف الترددات الراديوية (RF)، تحديد مواقع السفن بصورة مستقلة عن إشارات GPS وAIS. ما يساعد على الحفاظ على الرؤية التشغيلية حتى في البيئات التي تصبح فيها أنظمة الملاحة التقليدية غير موثوقة.