بيانات S&P Global: التوترات الجيوسياسية تعزز أرباح الشحن البحري

الشحن البحري
الشحن البحري

أدت التوترات الجيوسياسية المتصاعدة حول العالم إلى خلق واقع متناقض لقطاع الشحن البحري. فمن ناحية أسهمت الاضطرابات في رفع أسعار الشحن وتعزيز عوائد الشركات. ومن ناحية أخرى فرضت تحديات تشغيلية واستثمارية متزايدة على ملاك السفن. خاصة فيما يتعلق بسلامة الأطقم البحرية والتخطيط طويل الأجل للأساطيل.

جاء ذلك بحسب أحدث بيانات S&P Global، وهي شركة أمريكية عالمية متخصصة في البيانات المالية والتحليلات الاقتصادية. وتعد من أبرز مزودي المعلومات والخدمات للمؤسسات المالية والشركات حول العالم.

وجاءت هذه الرؤية خلال منتدى ملاك السفن الذي عقد على هامش معرض Posidonia 2026 في اليونان. حيث ناقش عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع الشحن تداعيات الأزمات الجيوسياسية الحالية على مستقبل الصناعة البحرية.

اضطرابات مضيق هرمز تعيد تشكيل حركة التجارة البحرية

منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في 28 فبراير، وما تبعها من فرض قيود مشددة على الملاحة في مضيق هرمز. تراجعت حركة السفن عبر الممر الحيوي إلى مستويات تقل بنحو 90 % مقارنة بمعدلاتها الطبيعية قبل اندلاع الحرب.

وأجبر هذا الوضع العديد من مستوردي الطاقة والسلع الأساسية على البحث عن مصادر بديلة للإمدادات. ما أدى إلى زيادة أطوال الرحلات البحرية وارتفاع الطلب على مفهوم «الطن-ميل». وهو المقياس الذي يجمع بين حجم الشحن والمسافة المقطوعة. الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع أسعار الشحن في الأسواق العالمية.

ويأتي ذلك امتدادًا لسلسلة من الاضطرابات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، بدءًا من الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بأزمة البحر الأحمر والهجمات التي استهدفت السفن التجارية. وصولًا إلى التطورات الحالية في الخليج العربي. والتي أعادت رسم خريطة التجارة البحرية العالمية وخلقت أنماطًا جديدة لتدفقات الشحن.

ارتفاعات قوية في أسواق الشحن المختلفة

وأظهرت بيانات S&P Global أن مختلف قطاعات النقل البحري استفادت من هذه التطورات، حيث سجلت مؤشرات الشحن ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ففي قطاع ناقلات النفط، ارتفع المؤشر العالمي للناقلات إلى أكثر من 401 ألف دولار يوميًا في بداية مارس الماضي. قبل أن يستقر عند مستويات تجاوزت 221 ألف دولار يوميًا بنهاية مايو، وهي مستويات ما زالت مرتفعة تاريخيًا.

كما شهد قطاع البضائع السائبة الجافة أداءً قويًا. حيث تجاوز المؤشر العالمي للشحن السائب حاجز 32 ألف دولار يوميًا خلال مايو للمرة الأولى منذ إطلاقه أواخر عام 2023، ليصل إلى نحو 35,800 دولار يوميًا مع نهاية الشهر.

أما قطاع الحاويات، فقد سجل بدوره قفزة ملحوظة، بعدما ارتفع مؤشر الحاويات بنحو 112 % مقارنة بمستوياته المسجلة في أغسطس 2025. ليصل إلى أكثر من 4,500 دولار للحاوية المكافئة، وهو أعلى مستوى له خلال عشرة أشهر.

أرباح مرتفعة ولكن قرارات الاستثمار أكثر تعقيدًا

ورغم التحسن الملحوظ في الإيرادات والعوائد، يرى قادة القطاع أن البيئة الحالية أصبحت أكثر تعقيدًا فيما يتعلق باتخاذ القرارات الاستثمارية.

وأوضح Andy Dacy، الرئيس التنفيذي لمجموعة النقل العالمية التابعة لـ J.P. Morgan Asset Management، أن التطورات الجيوسياسية الحالية تدعم أسواق الشحن بصورة واضحة، إلا أن الأولوية القصوى يجب أن تبقى متمثلة في حماية الأطقم البحرية وضمان سلامتهم في مناطق النزاع.

وأشار إلى أن آفاق السوق خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة تبدو إيجابية نسبيًا. مدعومة باستمرار الحاجة العالمية إلى خدمات النقل البحري.

في المقابل، أكد Harry Vafias، الرئيس التنفيذي لمجموعة Vafias Group، أن حالة الضبابية الحالية تجعل من الصعب اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل. لافتًا إلى أن أي تسوية سياسية للأزمات الراهنة قد تؤدي إلى تراجع الطلب على الطن-ميل وانخفاض أسعار الشحن. بالتزامن مع دخول أعداد كبيرة من السفن الجديدة إلى السوق.

مخاوف متزايدة من تخمة المعروض العالمي

وتتزايد المخاوف داخل القطاع بشأن احتمالات حدوث فائض كبير في الطاقة الاستيعابية للأسطول العالمي خلال السنوات المقبلة.

فبحسب بيانات Clarksons، يبلغ دفتر طلبيات بناء السفن حاليًا نحو 21 % من إجمالي حجم الأسطول العالمي القائم. مع توقعات بتسليم ما يقارب 60 مليون طن إجمالي تعويضي من السفن الجديدة خلال عام 2027. وهو مستوى يعد من الأعلى تاريخيًا.

ويرى فافياس أن السؤال لم يعد متعلقًا بما إذا كانت دورة الانتعاش الحالية ستنتهي أم لا، بل يتعلق بموعد انتهاء هذه الدورة. محذرًا من أن التدفق الكبير للسفن الجديدة قد يضغط على الأسعار ويؤثر سلبًا على العوائد مستقبلًا.

الشركات اليابانية: تحسن مالي يقابله ضغط تشغيلي

من جانبه، وصف Takeshi Hashimoto، رئيس مجلس إدارة شركة Mitsui O.S.K. Lines، الوضع التشغيلي الحالي بأنه «كابوس تشغيلي». منوهًا إلى أن عددًا من ناقلات الشركة لا يزال عالقاً داخل الخليج العربي بسبب القيود المفروضة على الملاحة.

وحذر Hashimoto من أن التوسع المستمر في قدرات أحواض بناء السفن الصينية، إضافة إلى عودة بعض الأحواض المتوقفة إلى العمل، قد يشجع على تقديم مزيد من طلبات البناء الجديدة. ما يزيد احتمالات حدوث فائض كبير في المعروض خلال السنوات القادمة.