تحولات التجارة العالمية تعيد رسم الخريطة الاقتصادية الدولية

التجارة العالمية
ميناء روتردام مركز التجارة العالمية ومحور أوروبا اللوجستي

تشهد التجارة العالمية مرحلة انتقالية معقدة، تتسم بتباطؤ نسبي في الزخم العام مقابل بروز محركات جديدة للنمو تقودها الاقتصادات النامية.

فبينما تشير التوقعات إلى استمرار تحقيق أرقام قياسية في حجم التجارة الدولية خلال عام 2025، تتزايد في الوقت نفسه الضغوط الناجمة عن التوترات الجيوسياسية، وعدم اليقين في السياسات الاقتصادية.

بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التجارة، ما يدفع المؤسسات الدولية إلى تبني نظرة أكثر حذرًا تجاه آفاق عام 2026.

تباطؤ النمو العالمي رغم أرقام التجارة القياسية

بحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، اليوم، من المتوقع أن يتراجع نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.6 % حتى عام 2026، مقارنة بمعدلات أعلى سجلت في وقت سابق.

ورغم ذلك، من المرجح أن تصل التجارة الدولية إلى مستوى قياسي يبلغ 35 تريليون دولار في عام 2025، محققة نموًا سنويًا بنسبة 7 %، مدعومة بأداء قوي في النصف الأول من العام ومرونة نسبية خلال الربع الثالث.

إلا أن هذا الأداء الإيجابي بدأ يفقد زخمه مع تصاعد التحديات الجيوسياسية، واستمرار حالة عدم الاستقرار في السياسات التجارية والاقتصادية، بحسب التقرير.

أداء متوازن بين الاقتصادات المتقدمة والنامية

أشار أحدث تحديث للتجارة العالمية الصادر عن الأونكتاد إلى أن نمو تجارة السلع في الربع الثالث من عام 2025 كان متوازنًا نسبيًا بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، مع تسجيل نمو أقوى للواردات خارج شرق آسيا.

وعلى المدى الأطول، برزت المناطق النامية كمحرك رئيسي لمكاسب الصادرات، إذ سجلت الدول النامية نموًا في الصادرات بنسبة 8 % على أساس الأرباع الأربعة المتتالية، مقارنة بـ4 % فقط في الاقتصادات المتقدمة.

مناطق نامية تقود الزخم التجاري

أظهر التقرير أن الزخم كان قويًا بشكل خاص في بعض المناطق النامية؛ حيث سجلت أمريكا الجنوبية ومنطقة المحيط الهادئ أعلى معدلات نمو لتجارة السلع خلال الربع الثالث من عام 2025.

وعلى مدار الاثني عشر شهرًا الماضية، تفوقت أيضًا أوروبا وشرق آسيا وأفريقيا من حيث الأداء التجاري، ما يعكس اتساع رقعة النمو خارج الاقتصادات التقليدية الكبرى.

تصاعد أهمية تجارة الجنوب–الجنوب

يعد استمرار قوة تجارة الجنوب–الجنوب، أي التجارة بين الدول النامية، أحد أبرز العوامل الداعمة لهذه التحولات.

فعلى الرغم من أن نموها خلال الربع الثالث جاء دون المتوسط، فإنها حققت توسعًا بنحو 8 % على أساس الاثني عشر شهرًا الماضية.

وحتى عند استبعاد اقتصادات شرق آسيا، سجلت تجارة الجنوب–الجنوب نموًا بنسبة 3 % لكل من الواردات والصادرات على أساس الأرباع الأربعة المتتالية.

ويرى التقرير أن هذا الاتجاه يعزز التنويع والمرونة، ويدعم تطوير شبكات التجارة داخل الأقاليم وفيما بينها. لا سيما مع التوسع القوي للتجارة الإقليمية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا.

صورة متباينة على مستوى الاقتصادات الكبرى

على صعيد الدول، أظهرت بيانات الربع الثالث من عام 2025 تباينًا واضحًا في الأداء.

وقد سجلت البرازيل وجمهورية كوريا وجنوب أفريقيا نموًا قويًا في تجارة السلع، بحسب التقرير.

وتميزت جنوب أفريقيا بارتفاع وارداتها بنسبة 12 % وصادراتها بنسبة 10 % على أساس فصلي. فيما سجلت البرازيل نموًا بنسبة 6 % في الواردات و4 % في الصادرات.

في المقابل، جاء أداء اليابان والولايات المتحدة أضعف؛ حيث تراجعت صادرات السلع الأمريكية بنسبة 2% على أساس فصلي، بينما استقرت الواردات.

أما الصين، فرغم بقائها أكبر مصدر عالميًا على أساس 12 شهرًا، فقد شهدت توقف نمو الصادرات في الربع الثالث مقابل ارتفاع الواردات.

اختلالات تجارية وتوترات ثنائية

خلف أرقام النمو الإجمالية، لا تزال التوترات الثنائية تلقي بظلالها على المشهد التجاري العالمي، مع استمرار اختلالات التجارة بين بعض الشركاء الرئيسيين.

فقد تراجعت العجوزات التجارية للولايات المتحدة مع الصين وكندا والاتحاد الأوروبي؛ حيث انخفض العجز مع الصين بمقدار 28 مليار دولار على أساس الأرباع الأربعة المتتالية في الربع الثالث من عام 2025.

في المقابل، ارتفع العجز الأمريكي مع المكسيك وفيتنام إلى مستويات قياسية، بحسب ما ورد في التقرير.

كما سجلت الصين نموًا ملحوظًا في فوائضها التجارية مع فيتنام والاتحاد الأوروبي؛ حيث بلغ الفائض مع الاتحاد الأوروبي 265 مليار دولار، مع زيادة كبيرة خلال الربع الثالث وحده.

تحولات في الاعتماد التجاري المتبادل

يعكس المشهد الأوسع اتجاهًا متزايدًا نحو التجزئة الجيو–اقتصادية. فبينما لم يتغير الاعتماد التجاري المتبادل بين الصين والولايات المتحدة بشكل كبير خلال العام الماضي، شهدت علاقات الشركاء الآخرين تحولات ملحوظة.

فقد زاد اعتماد دول مثل ماليزيا وفيتنام والبرازيل على السوق الأمريكية، في حين تراجع اعتماد أستراليا والبرازيل على الصين. ما يشير إلى إعادة تموضع تدريجية في سلاسل التجارة العالمية.

آفاق 2026 بين الحذر والفرص

خلص تقرير الأونكتاد إلى أن عام 2025 مرشح ليكون عامًا قويًا للتجارة الدولية، مع نمو التدفقات بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد العالمي بالقيمة الحقيقية.

غير أن التوقعات لعام 2026 تبدو أكثر تحفظًا، في ظل تباطؤ النمو العالمي، وتصاعد التجزئة الجيوسياسية، واستمرار عدم اليقين في السياسات، وارتفاع تكاليف التجارة.