شهد الربع الثالث من عام 2025 تصاعدًا غير مسبوق في المخاطر التي تواجه قطاع النقل البحري العالمي.
يأتي هذا مع اتساع نطاق العقوبات، والحروب التجارية، والرسوم الجمركية المتبادلة. وأدى هذا إلى انقسام الأساطيل التجارية وارتفاع غير مسبوق في الممارسات الخداعية للسفن.
جاء ذلك وفقًا لأحدث تحليل صادر عن شركة Vortexa، وهي شركة بيانات وتحليلات بريطانية متخصصة في تتبع وتحليل تدفقات الطاقة البحرية.
أصبحت البحار اليوم مسرحًا لتجارب جيوسياسية ودبلوماسية معقدة، غذّت ظواهر مثل تبديل الأعلام (flag-hopping) والتلاعب بأنظمة الملاحة.
بالإضافة إلى ظهور أساطيل “عديمة الجنسية” من ناقلات النفط والغاز تعمل خارج القانون الدولي.
وأكد التقرير أن بعض هذه السفن استخدمت في مهام استطلاع بطائرات مسيّرة في بحر البلطيق.
توسع غير مسبوق في العقوبات على السفن والشركات
تجاوز عدد السفن الخاضعة للعقوبات منذ عام 2023 حاجز الألف سفينة للمرة الأولى.
جاء ذلك على خلفية فرض الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة خلال الربع الثالث 311 عقوبة جديدة على سفن تتعامل مع روسيا.
وبهذا، ارتفع إجمالي السفن المُعاق إلى 540 سفينة في بريطانيا و480 في الاتحاد الأوروبي، مع تداخل 369 سفينة بين القائمتين.
أما الولايات المتحدة، فلم تفرض أي عقوبات جديدة على الشحن الروسي منذ يناير الماضي.
بينما ركزت الولايات المتحدة على حملتها ضد إيران؛ حيث استهدفت وزارة الخزانة أكثر من 60 سفينة في أكبر تحرك منذ عام 2018.
ورغم تباطؤ معدل نمو السفن المعاقبة إلى 15 % بعد أن بلغ 35 % في الربع الثاني، فإنه ما يزال أعلى بنحو 3.7 مرات من العام الماضي.
في حين تضاعف عدد الشركات المعاقبة، 58 % منها مسجلة في الإمارات وجزر مارشال، ما يعكس تركّز القيود على الشبكات المرتبطة بروسيا.
تشويش متزايد على أنظمة الملاحة (GPS)
تأثرت أكثر من 11,600 سفينة عالميًا بتشويش إشارات تحديد المواقع خلال الربع الثالث، بانخفاض طفيف عن الربع السابق.
يأتي هذا مع زيادة بنسبة 510 % مقارنة بالربع الأول، ما يجعل التشويش خطرًا متأصلًا في الملاحة الحديثة.
وتم رصد بؤرة جديدة شرق روسيا في خليج ناخودكا. حيث تعرضت أكثر من 600 سفينة قرب محطة نفط كوزمينو للتأثير المباشر.
ارتفاع صادرات النفط الخام رغم التوترات
بلغت صادرات النفط الخام والمكثفات 43.1 مليون برميل يوميًا في الربع الثالث، متجاوزة مستويات ما قبل الجائحة لأول مرة.
وحققت روسيا والإمارات والسعودية أكبر الزيادات الفصلية، فيما سجل شهر سبتمبر 45.5 مليون برميل يوميًا كأعلى مستوى منذ حرب الأسعار عام 2020.
وارتفعت صادرات السعودية إلى 6.7 ملايين برميل يوميًا، بينما بلغت صادرات روسيا 3.9 ملايين، رغم تضرر مصافيها بهجمات الطائرات الأوكرانية.
كما زادت واردات الصين البحرية من النفط الخام بنسبة 13% لتصل إلى 10.8 ملايين برميل يوميًا.
تضاعف تسجيل السفن بأعلام مزيفة
ارتفع عدد السفن التي ترفع أعلامًا مزيفة بنسبة 22 % في الربع الثالث، وظهرت سجلات بحرية احتيالية جديدة في تونغا، المالديف، موزمبيق، وأنغولا.
وأدى الضغط الغربي على الدول التي تؤجر سجلاتها البحرية لإزالة السفن المعاقبة إلى طفرة في تغيير الأعلام واللجوء إلى سجلات غير شرعية.
الأساطيل “الداكنة” و”الرمادية”.. بين الخفاء والمرونة
أشار التقرير إلى أن 64 % من الأسطول الداكن بات خاضعًا للعقوبات، فيما ارتفعت النسبة إلى 71 % لناقلات النفط فوق 80 ألف طن.
ولا يُعرف مالكو 60 % من هذه السفن، بينما تتصدر روسيا وبنما وجزر القمر سجلات التسجيل، وفقًا للتقرير.
ودخلت غامبيا للمرة الأولى قائمة أكبر عشر دول للأساطيل الداكنة إلى جانب سيراليون.
أما الأسطول “الرمادي”، فتشكّل ليبيريا وجزر مارشال وبنما 54 % منه، وتعد روسيا وتركيا والصين أبرز وجهاته.
في حين يمتلك اليونانيون 39 % من السفن العاملة ضمن سقف الأسعار المفروض على النفط الروسي.
الأنشطة المظلمة وفقدان إشارات AIS
كشفت البيانات أن 91 % من الأنشطة المظلمة المرتبطة بالعقوبات كانت على صلة بإيران أو روسيا.
بينما تراجعت الأنشطة المتعلقة بسوريا بنسبة 44 %، وارتفعت في فنزويلا بنسبة 45 %، مع زيادة زيارات السفن إلى الموانئ السورية بنسبة 28 %.
توقعات قاتمة للربع الرابع من 2025
لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على تراجع التوترات الجيوسياسية، خاصة مع تجدد النزاع التجاري بين واشنطن وبكين.
إلى جانب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم التهديدات في البحر الأحمر والبلطيق والبحر الأسود.
وتؤدي الرسوم الجمركية المتبادلة وتوسع العقوبات إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن حتى عام 2026.
وتعيد خطوط الحاويات الكبرى تقييم مرورها عبر البحر الأحمر، رهنًا بتحقيق هدنة مستقرة في الشرق الأوسط ووقف هجمات الحوثيين المستمرة منذ عامين.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبدو أن مستقبل السوق البحرية سيظل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالتطورات الجيوسياسية.
فضلًا عن أن إدارة المخاطر ستعتمد على قدرة الشركات على الصمود والتكيف في مواجهة الضغوط التشغيلية والعقابية المتزايدة.













