في استعراض لافت لمرونته وقوته. سجل الاقتصاد الصيني أداءً تجاريًا فاق التوقعات في شهر سبتمبر الماضي. متحديًا بذلك تصاعد حدة التوترات الاقتصادية والجيوسياسية مع الولايات المتحدة. فقد قفزت الصادرات الصينية بأعلى وتيرة لها في ستة أشهر. بينما حققت الواردات أقوى نمو لها منذ ما يزيد عن عام. وتحديدًا منذ أبريل 2024، ما يرسخ مؤشرات متانة النشاط التجاري لبكين على الرغم من محاولات الكبح الأمريكية.
أرقام قياسية تتجاوز التوقعات
أظهرت البيانات الصادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية اليوم الإثنين. تفوقًا واضحًا في أداء التجارة الخارجية. وتفصيلًا، سجلت الصادرات الصينية ارتفاعًا بنسبة 8.3% على أساس سنوي بالدولار الأمريكي. ولم يكتف هذا الارتفاع بتجاوز أداء العام الماضي. بل تجاوز أيضًا توقعات المحللين الذين رجحوا زيادة لا تتعدى 7.1%.
حركة الواردات تسجل أداءً قويًا
كما سجلت حركة الواردات أداءً قويًا بشكل مفاجئ. محققة نموًا بنسبة 7.4% مقارنة بالعام الماضي. ويعد هذا الأداء أفضل إنجاز للواردات منذ أكثر من عام. متفوقًا على جميع التقديرات المسبقة.
هذه القفزة المزدوجة في الصادرات والواردات تشير إلى أن الطلب العالمي على المنتجات الصينية لا يزال قويًا. وأن الطلب المحلي على المواد الخام والسلع الأجنبية يشهد انتعاشًا. ما يعزز التوقعات بنمو مستقر للاقتصاد الصيني خلال الربع الأخير من عام 2025.
تصعيد متزامن في ملفات الرسوم والقيود
تأتي هذه الأرقام الإيجابية في وقت تتسم فيه العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة بتوتر متجدد. يهدد بإعادة إشعال حرب الرسوم الجمركية بين أكبر اقتصادين في العالم. وقد تصاعدت حدة التوترات مؤخرًا لتشمل قيودًا متبادلة على التكنولوجيا. وتهديدات بفرض رسوم إضافية.
صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته مؤخرًا، ملوحًا بفرض رسوم جمركية إضافية يمكن أن تصل إلى 100% على السلع الصينية. كما أعلن عن قيود أكثر صرامة تستهدف صادرات البرمجيات الأمريكية. هذا التصعيد يهدف إلى الضغط على بكين لتقديم تنازلات تجارية. لكنه يثير مخاوف حول تأثيره السلبي على سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، لم تقف بكين مكتوفة الأيدي. حيث أعلنت توسيع قيودها على صادرات المعادن النادرة، التي تُعد مواد حيوية لا غنى عنها في صناعة التكنولوجيا المتقدمة. كما أضافت شركة TechInsights الأمريكية إلى قائمتها السوداء، وفتحت تحقيقًا جديدًا ضد عملاق أشباه الموصلات الأمريكي كوالكوم بتهمة الاحتكار، ما يشير إلى أن الرد الصيني يركز على قطاعات التكنولوجيا الإستراتيجية.

ملف حرب الموانئ.. صراع النفوذ البحري
تُشكل الرسوم المتبادلة على السفن التجارية التي ترسو في موانئ الطرفين، والتي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في 14 أكتوبر، نقطة توتر جديدة وخطيرة. وأعلن الجانبان عن فرض رسوم بقيمة متطابقة: 400 يوان (ما يعادل تقريبًا 56 دولارًا أمريكيًا) للطن الواحد على السفن المعنية.
وفي هذا الصدد، أشار مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن ميزان القوى في قطاع بناء السفن يميل بشكل حاسم لصالح الصين. فبينما تمثل الولايات المتحدة 0.1% فقط من صناعة بناء السفن العالمية، تستحوذ الصين على حصة ضخمة تبلغ 53.3%، ما يمنح بكين ميزة واضحة في أي صراع نفوذ بحري محتمل، ويجعل الإجراءات الأمريكية تبدو وكأنها تهدف لإحياء قطاعها الخاص أكثر من كونها وسيلة ضغط مباشرة على بكين.
دعوات صينية للحوار والتحذير من الأضرار
في أول رد رسمي بعد صدور بيانات التجارة، دعا المتحدث باسم الجمارك الصينية، ليو داليانج، خلال مؤتمر صحفي، واشنطن إلى التراجع عن نهجها التصعيدي. وأكد داليانغ أن بلاده “تأمل أن تدرك واشنطن خطأ نهجها التصعيدي”، داعيًا إلى العودة إلى مسار الحوار والتفاوض لحماية استقرار الاقتصاد العالمي.
وشدد المسؤول الصيني على أن الرسوم الجمركية التي فرضتها عدة دول هذا العام قد “ألحقت أضرارًا بسلاسل الإمداد العالمية وأثرت سلبًا على حركة التجارة”، مؤكدًا التزام الصين بدعم التجارة متعددة الأطراف، وهو ما يعد إشارة إلى رفض بكين للانفصال الاقتصادي (Decoupling) الذي تدعو إليه بعض الأوساط في واشنطن.
تعقيدات فول الصويا والتوقعات المستقبلية
يستمر ملف فول الصويا الأمريكي في إلقاء بظلاله السلبية على جهود المفاوضات التجارية، حيث تتجنب الصين، التي تُعد أكبر مستورد عالمي للمحصول، استئناف شراء المحاصيل الأمريكية. ويُعد هذا الملف نقطة خلاف رئيسية تقلل من فرص التوصل إلى اتفاق شامل وقريب. وكان الرئيس ترامب قد أعرب عن أمله في إقناع الرئيس الصيني خلال لقائهما المقرر في نهاية أكتوبر، بإنهاء الحظر المفروض على واردات فول الصويا الأمريكي.
في سياق متصل، أصدرت وزارة التجارة الصينية بيانًا شديد اللهجة، أكدت فيه أن “التهديد بالرسوم المرتفعة ليس الطريقة الصحيحة للتعامل مع الصين”، مشددة على أن بكين “سترُد بإجراءات حاسمة لحماية مصالحها” إذا واصلت واشنطن نهجها التصعيدي.
صعيد التحديات الداخلية
على صعيد التحديات الداخلية، حذر نائب وزير الجمارك، وانج جون، من أن تحقيق استقرار في التجارة خلال الربع الرابع من العام سيكون صعبًا، وذلك لتعقيد المشهد الدولي وارتفاع المقارنة مع الأداء القوي الذي تحقق في نهاية العام الماضي.
ورغم كل هذه التحديات، يرى محللون أن الأداء القوي والمفاجئ للصادرات والواردات في سبتمبر يمنح الاقتصاد الصيني دفعة معنوية قوية، ويدعم التوقعات بنمو مستقر خلال نهاية عام 2025، خاصة إذا نجحت بكين في احتواء الخلافات التجارية واستعادة الثقة في أسواقها العالمية. إن مرونة التجارة الصينية، على ما يبدو، أقوى من التهديدات السياسية، لكن استمرار التصعيد قد يفرض تحديات هيكلية في العام القادم.













