الأمونيا البحرية.. بين فرص إزالة الكربون وتحديات التكلفة والبنية التحتية

الأمونيا
تطور تاريخي في مجال الشحن البحري.. بدء بناء أول سفينة حاويات في العالم تعمل بالأمونيا

تتزايد أهمية الأمونيا كوقود بحري بفضل التقدم في الأطر التنظيمية وابتكارات المحركات وتبنيها المبكر من بعض السفن.

غير أن ارتفاع التكاليف والفجوات في البنية التحتية يفرضان على ملاك السفن اتباع تخطيط استراتيجي دقيق عند اختيار وقود المستقبل.

ويستعرض أحدث تقرير شركة DNV بعنوان “الأمونيا في الشحن” إمكانات هذا الوقود في دعم جهود إزالة الكربون وسرعة تحوله إلى خيار واقعي.

وتعد (DNV) هي واحدة من أكبر الشركات العالمية المتخصصة في مجال التصنيف البحري وضمان الجودة وإدارة المخاطر.

تشير ليندا سيغريد هامر، المستشارة الرئيسية في DNV، إلى أن وجود نحو 40 سفينة قيد الطلب قادرة على العمل بالأمونيا يضع هذا الوقود في قلب سباق إزالة الكربون.

وأكدت أن العديد من العوائق شهدت تقدمًا ملموسًا خلال السنوات الخمس الماضية رغم استمرار بعض التحديات.

الإطار التنظيمي لوقود الأمونيا

تتسم الأمونيا بسمّيتها العالية، ما يستدعي تطبيق احتياطات أكثر صرامة مقارنة بالوقود التقليدي.

ففي 2020، كانت الموافقات التنظيمية تعتمد على دراسات حالة مبنية على المخاطر. ومنذ ذلك الحين، أصدرت DNV قواعد جديدة عام 2021 يتم تحديثها سنويًا.

كما أصدرت المنظمة البحرية الدولية إرشادات مؤقتة عام 2024، لتشكل جميعها إطارًا تنظيميًا مؤقتًا إلى حين دخول التعديلات الملزمة حيز التنفيذ.

وتشمل هذه التعديلات تطوير مدونة IGC بما يسمح لناقلات الأمونيا باستخدام الشحنة كوقود، ومن المتوقع أن تدخل التعديلات الملزمة على مدونة IGF قبل 2032.

تطور الدفع بالأمونيا

قبل خمس سنوات، كان استخدام الأمونيا في الدفع مجرد فكرة نظرية. أما بحلول أغسطس 2025، فقد بلغ عدد السفن قيد الطلب القادرة على استخدامه 39 سفينة.

وتم تصنيع معظم هذه السفن من فئة ناقلات أمونيا وسفن Bulk، مع توقع تسليم أولى السفن بحلول أواخر 2025 أو مطلع 2026.

وتعمل شركات مثل Everllence وWinGD وJ-Eng على تطوير محركات ثنائية الشوط ثنائية الوقود، بينما حصل محرك HiMSEN H22CDF-LA من هيونداي على اعتماد متعدد الفئات.

كما تثبت مشروعات مثل سفينة Green Pioneer وزوارق القطر في اليابان والصين إمكانية التشغيل الفعلي.

تحدي كثافة الطاقة

تحتاج الأمونيا إلى حجم يعادل ثلاثة أضعاف حجم زيت الغاز البحري لإنتاج نفس كمية الطاقة، ما يقلل المدى التشغيلي ومساحات الشحن.

لكن الحلول التصميمية والقدرة على تشغيل السفن بوقود مزدوج وفترات التزويد الأقصر بالوقود جعلت هذا العائق قابلاً للإدارة.

وترى هامر أن هذه المشكلة باتت أقرب إلى “تحدي تصميم” يمكن التغلب عليه بدلاً من أن تكون عائقاً مطلقاً.

ارتفاع التكاليف والفجوات في التزويد

تزيد تكلفة السفن الجديدة العاملة بالأمونيا بنسبة 15–20 % مقارنة بالتصاميم التقليدية، وقد تصل تكاليف التعديلات إلى 60 % من قيمة السفينة المتبقية، خصوصًا في سفن Bulk القديمة.

ومع أن هذه الزيادة قد تكون مقبولة عند توافر الحوافز السوقية، يبقى التحدي الأكبر هو ارتفاع أسعار الوقود.

وتشير التقديرات إلى زيادات بنسبة 16 % لسفن الحاويات الكبيرة، و19 % لناقلات Aframax، و15 % لناقلات الغاز متوسطة الحجم.

تسعير الكربون وتقليص الفجوة

في عام 2020 لم تكن الأمونيا الخضراء أو الزرقاء قادرة على منافسة زيت الوقود من حيث التكلفة.

لكن في 2025، وصل سعر الأمونيا الخضراء في أوروبا إلى نحو 2,900 دولار للطن، أي ما يعادل خمسة أضعاف سعر زيت الغاز البحري.

ومن المتوقع أن تنخفض التكاليف إلى ما بين 1,000 و1,900 دولار للطن بحلول 2050، خاصة مع تطبيق أنظمة تسعير الكربون مثل سوق الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات (2024) وتشريع FuelEU Maritime (2025).

البنية التحتية للتزويد بالأمونيا

في 2020 لم يكن هناك أي تزويد بالأمونيا، لكن بحلول 2025 أظهرت تجارب في أستراليا والصين واليابان وهولندا وسنغافورة والمملكة المتحدة أن النقل يمكن أن يتم بأمان.

ومنحت النرويج تراخيص لبناء محطة جديدة، وطلبت اليابان أول سفينة تزويد بالأمونيا لتسليمها في 2027.

في 2024، نقلت 274 ناقلة أمونيا بضائع من 38 محطة، وكان نحو نصف الطلبات الجديدة مهيأً للعمل بالأمونيا.

تسريع إمدادات الوقود

يمر التحول إلى الأمونيا بثلاث مراحل: التحضير، التوسع، ثم الاستقرار. المرحلة الأولى جارية بالفعل وتشمل بناء أسطول رائد صغير وتدريب الطواقم وتطوير البنية التحتية الأولية.

ومع أن الأطر التنظيمية وجاهزية الموانئ لم تعد عوائق كبيرة، فإن السعر يبقى التحدي الحاسم. ويوصي تقرير DNV بدعم مالي مؤقت إلى حين نضوج السوق.

الاعتبارات الاقتصادية والتقنية لمالكي السفن

يمثل اختيار الوقود منخفض الانبعاثات تحديًا أمام الملاك في ظل الغموض التنظيمي والمالي. ويوصي التقرير بإطار من خطوتين:

التحليل الاقتصادي: تقييم الربحية على المدى الطويل وفق سيناريوهات أسعار الوقود والكربون والتشريعات.

التحليل التقني: دراسة تأثير الوقود على التصميم والتشغيل والتخزين والتزويد بالوقود والسلامة. ويُوصى ببناء سفن “جاهزة للوقود” تسمح بالتحول لاحقًا.