شهدت الموانئ البحرية الأوكرانية إنجازًا استثنائيًا وغير متوقع خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025. حيث سجلت رقمًا قياسيًا في مناولة الحاويات النمطية المكافئة لعشرين قدمًا. متجاوزةً التحديات الهائلة التي فرضتها الحرب الدائرة والأزمة اللوجستية العالمية المستمرة.
أداء قياسي للحاويات في الموانئ البحرية الأوكرانية
هذا الأداء ليس مجرد إحصائية. بل هو تأكيد على مرونة البنية التحتية الأوكرانية وقدرتها على التكيف. ودليل على الأهمية الحيوية التي تلعبها هذه الموانئ في سلاسل الإمداد العالمية. وخاصة بالنسبة للأمن الغذائي والاقتصاد الأوروبي.
تُظهر البيانات الرسمية أن قطاع الشحن البحري الأوكراني لم يكتفِ بالصمود. بل حقق نموًا ملموسًا. وهو ما يبعث برسائل قوية إلى الشركاء التجاريين والمستثمرين الدوليين. نقلًا عن موقع “gmk.center“.
الأرقام القياسية.. قفزة بنسبة 3.3% تتحدى الواقع الصعب
في الفترة الممتدة من يناير إلى أغسطس 2025، ناولت الموانئ الأوكرانية ما مجموعه 134,190 حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا (TEUs). هذا الرقم يمثل زيادة قدرها 3.3% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024. ويُعد أعلى معدل مناولة للحاويات تسجله البلاد منذ بدء الحرب الشاملة. هذه الزيادة، رغم أنها قد تبدو متواضعة في السياق اللوجستي العالمي. إلا أنها تحمل دلالات عميقة في ظل السياق الأمني والتشغيلي المحفوف بالمخاطر. ويُشير هذا الإنجاز تحديدًا إلى عودة الثقة في الممرات البحرية التي تم تأسيسها أو تعزيزها مؤخرًا، وكذلك إلى الجهود الجبارة التي تبذلها الجهات المعنية لتأمين عمليات الشحن.
تُؤكد جمعية وكلاء الشحن البحري في أوكرانيا (ASFFU) هذه النتائج، مشيرةً إلى أن هذا الأداء يؤكد أن الموانئ الأوكرانية لا تزال شريكًا تجاريًا موثوقًا به. ويعكس هذا الرقم القياسي الجديد قدرة الموانئ على الحفاظ على مستويات عالية من الكفاءة التشغيلية والإنتاجية حتى تحت الضغط، وهو ما يتطلب تنسيقًا عاليًا بين سلطات الموانئ، وشركات الشحن، ووكلاء التأمين.
مرونة البنية التحتية والممرات الآمنة
يكمن سر هذا الأداء في حزمة من الإجراءات والجهود المركزة التي تبذلها إدارة الموانئ والحكومة الأوكرانية بالتعاون مع الشركاء الدوليين. لقد أثبتت التجربة أن الممرات البحرية البديلة والمبادرات الإنسانية لتصدير الحبوب والبضائع الأخرى كانت ركيزة أساسية لضمان استمرار تدفق التجارة.
يركز مديرو الموانئ بشكل أساسي على ثلاثة محاور:
- سلامة البضائع: ويشمل ذلك تطبيق بروتوكولات أمنية صارمة. وحماية مرافق الموانئ. والعمل المستمر على ضمان إزالة الألغام وتأمين المسارات الملاحية.
- الكفاءة التشغيلية: من خلال تحسين إجراءات التخليص الجمركي. وتسريع عمليات الشحن والتفريغ. واستخدام التكنولوجيا لتقليل زمن الانتظار.
- تطوير البنية التحتية: على الرغم من قيود الحرب. تستمر الجهود لتطوير البنية التحتية القائمة وإصلاح الأجزاء المتضررة لزيادة القدرة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات.
إن هذا التركيز على الاستقرار التشغيلي وجودة الخدمات له تأثير مضاعف. حيث يدعم تطوير القطاعات الاقتصادية ذات الصلة. خاصةً شركات النقل البري والخدمات اللوجستية التي تعتمد على الموانئ كنقاط انطلاق ووصول رئيسية.

تشريح حركة الشحنات.. صادرات قوية تدعم الاقتصاد
يُظهر الهيكل التفصيلي للشحنات نشاطًا تجاريًا قويًا ومتوازنًا. وهو ما يعد مؤشرًا صحيًا للاقتصاد الوطني. توزعت حركة الحاويات كالتالي:
- الصادرات: بلغت 66.89 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. هذا الحجم الكبير من الصادرات يترجم إلى تدفق للعملات الأجنبية ودعم حاسم للاقتصاد الأوكراني المتأثر بالحرب. وتتركز هذه الصادرات بشكل أساسي في المواد الغذائية. مثل الحبوب والزيوت، بالإضافة إلى بعض السلع الصناعية كمنتجات الصلب والخامات المعدنية.
- الواردات: وصلت إلى 63.04 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. تمثل الواردات شريانًا حيويًا لتلبية احتياجات السوق المحلية من السلع الاستهلاكية، والمعدات الصناعية، والآلات الضرورية لاستمرار الأنشطة الاقتصادية والجهود العسكرية.
- الترانزيت: سجلت 4.26 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. على الرغم من أن حجم الترانزيت لا يزال صغيرًا. إلا أن وجوده يؤكد الدور المحتمل لأوكرانيا كمركز لوجستي إقليمي في المستقبل. ويدل على ثقة بعض الشركاء في استخدام الأراضي الأوكرانية كجسر لعبور البضائع إلى وجهات أخرى.
إن التوازن النسبي بين الصادرات والواردات يوضح أن الموانئ لم تقتصر على كونها بوابة للخروج. بل ظلت بوابة رئيسية للدخول، مما يساهم في الحفاظ على سلسلة التوريد الداخلية واستقرار الأسعار.
التحدي اللوجستي الداخلي.. تراجع الشحن السككي وتفضيل البحر
في الوقت الذي سجلت فيه الموانئ البحرية أرقامًا قياسية، كان هناك تحول ملحوظ على صعيد النقل الداخلي للبضائع عبر السكك الحديدية. ففي الفترة نفسها من يناير إلى أغسطس 2025، خفضت السكك الحديدية الأوكرانية حجم نقل البضائع بالحاويات بنسبة 15% مقارنةً بالفترة المماثلة من عام 2024. وقد وصل إجمالي ما تم نقله بالقطارات إلى 151.89 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا.
هذا التباين في الأداء بين الشحن البحري والسككي يعكس عدة عوامل:
- التركيز على الموانئ: إن نجاح الممرات البحرية قد شجع المصدرين على توجيه بضائعهم مباشرة إلى الموانئ بدلًا من الاعتماد على الشحن عبر السكك الحديدية إلى الحدود البرية للدول المجاورة. وهو ما كان الخيار الأكثر شيوعًا في المراحل الأولى من الحرب.
- الكفاءة والتكلفة: قد يقدم الشحن البحري عبر الموانئ الرئيسية، بمجرد تأمينه، خيارًا أكثر كفاءة من حيث التكلفة والزمن. مقارنةً بالتعقيدات اللوجستية للنقل البري والسككي العابر للحدود.
- أولوية السلع: قد تُعطى أولوية للنقل السككي لنقل المواد الضرورية للإمداد الداخلي. بينما تُوجه البضائع التجارية الأقل استعجالًا أو ذات الأحجام الكبيرة إلى الموانئ البحرية.
وعند تحليل أنواع البضائع المنقولة عبر السكك الحديدية، تتصدر الحبوب القائمة بحصة قدرها 26% من إجمالي حجم النقل. أو 40.02 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. ويأتي خلفها المعادن الحديدية التي شكلت 21% من حجم النقل. أي ما يعادل 32.28 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا. هذا التركيز على الحبوب والمعادن في النقل السككي يؤكد أنه لا يزال جزءًا لا يتجزأ من منظومة التصدير الأوكرانية، ويعمل كمغذٍ رئيسي للموانئ.
الأهمية الاقتصادية والدور في سلاسل الإمداد العالمية
إن استمرار الموانئ البحرية الأوكرانية في تسجيل أرقام قياسية جديدة، بالرغم من كل المعوقات. يؤكد دورها المحوري في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي للبلاد. فالموانئ ليست مجرد نقطة عبور، بل هي محرك للنمو، حيث تساهم بشكل مباشر في توفير فرص العمل، ودعم قطاعات الزراعة والصناعة، وضمان تدفق العملات الصعبة.
علاوة على ذلك، تعد أوكرانيا لاعبًا رئيسيًا في سلسلة التوريد العالمية للحبوب والمعادن. وبالتالي، فإن نجاح موانئها في مناولة الحاويات يرسل رسالة طمأنة إلى الأسواق الدولية، ويساعد في تخفيف حدة التضخم العالمي من خلال ضمان استمرار إمدادات الغذاء والمواد الخام. إن الحفاظ على هذا الزخم، بل وتنميته، يتطلب استمرار التعاون الدولي، وتأمين الممرات البحرية بشكل دائم ومستدام، والاستثمار المستمر في تحديث البنية التحتية. الموانئ الأوكرانية اليوم هي رمز للصمود الاقتصادي، ومفتاح لاستقرار الأسواق العالمية.













