يواجه قطاع الشحن البحري والبري والجوي تحديات مركبة هذا الأسبوع، حيث تزامنت ضربات إعصار “راجاسا” المدمرة في الشرق الأقصى مع استمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب التجارية الأمريكية الصينية. وقد أدى هذا التزامن إلى إحداث اضطرابات واسعة في حركة البضائع قبل أيام فقط من بدء العطلة الذهبية الصينية، التي تبدأ في 1 أكتوبر.
فرض رسوم جمركية جديدة على شركات الشحن الصينية
وفي الوقت نفسه، تتسبب التهديدات بفرض رسوم جمركية جديدة على شركات الشحن الصينية والتحولات الاستراتيجية في سلاسل التوريد العالمية في إعادة رسم خريطة الأسعار والطاقة الاستيعابية عبر المحيطات.
يستند هذا التقرير إلى التحديث الأسبوعي الصادر عن منصة “فرايتوس” (Freightos)، والذي يوضح كيف أدى الإعصار إلى شلل في الموانئ الآسيوية الرئيسية، بينما تستمر عوامل الاقتصاد الكلي والحرب التجارية في دفع أسعار الشحن الفوري إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية عام 2023 على بعض المسارات الرئيسية. نقلا عن موقع “container-news“.
“راجاسا” يضرب موانئ آسيا ويشل الحركة اللوجستية
تسبب إعصار راجاسا في أضرار جسيمة في مناطق واسعة من تايوان والفلبين مطلع هذا الأسبوع، أثناء عبوره عبر بحر الصين الجنوبي. وصل الإعصار، الذي تحول الآن إلى عاصفة استوائية، إلى مقاطعة قوانغدونغ الصينية يوم الأربعاء، ويواصل تحركه الآن على طول الساحل باتجاه فيتنام.
وكان الأثر المباشر للإعصار هو الإغلاق الكامل لجميع موانئ الحاويات والمطارات في هونج كونج وجنوب الصين منذ يوم الاثنين، مع إعادة فتح بعضها جزئياً يوم الخميس.
تراكم البضائع وتأخيرات وشيكة
تتوقع شركات الشحن الكبرى، مثل هاباج لويد (Hapag-Lloyd)، أن تؤدي الأضرار الناتجة عن الإعصار وتراكم البضائع في الموانئ إلى تأخيرات تستمر لعدة أيام في الموانئ الرئيسية بالمنطقة. وتُشير التوقعات إلى احتمال تأخر السفن في ميناء يانتيان تحديداً لمدة قد تصل إلى أسبوع كامل.
وتأتي هذه التأخيرات في وقت حرج لشركات الشحن، التي لا تزال تسابق الزمن لنقل ما تبقى من طلباتها قبل حلول عطلة الأسبوع الذهبي في الصين التي تبدأ في 1 أكتوبر. ومع ذلك، قد يكون تأثير الإعصار على المسارات التجارية الرئيسية أقل حدة مما كان متوقعًا في ظروف أخرى، لسببين رئيسيين:
- تقديم موسم الذروة: كان موسم الذروة عبر المحيط الهادئ قد بدأ بشكل مبكر، نتيجة للمواعيد النهائية المفروضة بخصوص التعريفات الجمركية الأمريكية، ما دفع العديد من شركات الشحن في آسيا وأوروبا إلى نقل بضائع موسم الذروة بالفعل.
- تباطؤ متوقع في الطلب: من المرجح أن يؤدي تباطؤ الطلب المتوقع في الربع الرابع من العام، والذي يبدأ في أكتوبر، إلى تقليل حجم البضائع المتأثرة بالإغلاقات.

حركة الأسعار المتباينة
شهدت أسعار الشحن البحري حركة متباينة بشكل لافت بين مسارات المحيط الهادئ. بينما استمرت في الانخفاض العميق على مسارات آسيا-أوروبا.
1. مسار المحيط الهادئ (آسيا – أمريكا):
- الساحل الشرقي: ارتفعت أسعار الحاويات المتجهة إلى الساحل الشرقي بنسبة 2% الأسبوع الماضي لتصل إلى 3,426 دولارًا أمريكيًا للوحدة المكافئة لعشرين قدمًا (FEU).
- الساحل الغربي: في المقابل، انخفضت الأسعار إلى الساحل الغربي بنسبة 5% لتصل إلى 2,185 دولارًا أمريكيًا للوحدة المكافئة لعشرين قدمًا. وقد استمر هذا الانخفاض لتهبط الأسعار اليومية إلى الساحل الغربي لأقل من 1,900 دولار أمريكي للوحدة المكافئة لعشرين قدمًا حتى الآن هذا الأسبوع.
2. مسارات آسيا – أوروبا والبحر الأبيض المتوسط:
استمرت أسعار الشحن الفوري على هذه المسارات في حالة استقرارها شبه الكامل منذ الانخفاض الكبير الذي سجلته في منتصف يوليو الماضي، ولكنها شهدت تراجعاً حاداً آخر هذا الأسبوع:
- آسيا – أوروبا: انخفضت الأسعار بنسبة 15% لتصل إلى 2,196 دولارًا أمريكيًا للوحدة المكافئة لأربعين قدمًا (FEU).
- آسيا – البحر الأبيض المتوسط: انخفضت الأسعار بنسبة 15% أيضاً لتصل إلى 2,421 دولارًا أمريكيًا للوحدة المكافئة لأربعين قدمًا.
وقد دفع هذا الانخفاض أسعار الشحن على كلا المسارين إلى أدنى مستوياتها منذ ديسمبر 2023. ورغم التقارير التي تشير إلى انخفاض الطاقة الاستيعابية الكافي لتحقيق توازن بين العرض والطلب، تستمر الأسعار في الهبوط، مما دفع خبراء القطاع إلى التخمين بأن حرب الأسعار بين شركات النقل وتسهم الآن بشكل كبير في هذا التراجع المستمر.
الحرب التجارية تستهدف شركات النقل الصينية
في سياق متصل بتطورات الحرب التجارية الأمريكية الصينية، والتي لا تزال مصدر الشلل الأساسي للقرارات التجارية العالمية، شهد هذا الأسبوع تطورين مهمين:
- اتصال ترامب وشي جين بينج: أجرى الرئيس الأمريكي ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ اتصالاً هاتفيًا مطلع الأسبوع. ورغم أن المحادثة ركزت بشكل أساسي على التوصل إلى حل بخصوص تطبيق “تيك توك” (TikTok)، إلا أن البيت الأبيض أشار إلى إحراز تقدم أيضاً في القضايا التجارية، خاصة مع اقتراب موعد انتهاء الوضع الراهن للرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين في نوفمبر.
- رسوم رسو السفن: من المقرر أن يبدأ مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR) في تطبيق رسوم رسو السفن في الموانئ على شركات النقل الصينية والسفن المصنعة في الصين اعتباراً من 14 أكتوبر.
رغم التهديد بالرسوم، أعلنت شركة النقل الصينية العملاقة كوسكو (COSCO) أنها لا تتوقع حدوث اضطرابات في خدماتها عبر المحيط الهادئ ولن تفرض رسومًا إضافية بسبب القاعدة الجديدة. كما صرحت شركات نقل دولية أخرى، مثل ميرسك (Maersk)، بأنها لا تخطط لفرض رسوم إضافية، ما قد يحد من التأثير المباشر لهذه الرسوم على أسعار المستهلكين.
وفي سياق آخر من الحرب التجارية، أدت الرسوم الجمركية الأمريكية البالغة 50% المفروضة على البرازيل إلى تقارير عن انخفاض حاد في أحجام الحاويات بين البرازيل والولايات المتحدة، ما يؤكد التأثير المباشر للقيود الحمائية على تدفقات التجارة الثنائية.
إعادة تشكيل سلاسل التوريد والتحول نحو النقل الجوي
لا تزال الآثار الجانبية للحرب التجارية تشكل مسارات الشحن العالمية بطرق غير مباشرة. ما يؤدي إلى تحولات جذرية في مصادر التوريد ونقل الطاقة الاستيعابية بين المسارات:
- تضاعف سعة فيتنام: تُظهر بعض التقارير أنه بالتوازي مع انخفاض أحجام الشحن بين الصين والولايات المتحدة، تضاعفت سعة الشحن بين فيتنام والولايات المتحدة.
- نمو مسارات آسيا-أوروبا: شهدت مسارات الشحن بين آسيا وأوروبا نمواً في الحجم، حيث يستكشف المصنعون استراتيجية “الولايات المتحدة +1″، التي تعني تنويع مصادر التوريد بعيدًا عن الصين.
وفي ظل هذه التحولات، تقوم شركات النقل بـتحويل سعتها إلى حيث ينمو الطلب، وهو ما يفسر جزئيًا التقلبات السعرية الحادة. وعلى صعيد آخر، قد يساعد ازدحام موانئ الشرق الأقصى بسبب الإعصار، بالإضافة إلى زيادة الرحلات البحرية الملغاة في أكتوبر، شركات النقل على استقرار الأسعار في مواجهة انخفاض الطلب المتوقع في الربع الرابع، باستثناء المسارات الصينية التي تواجه ضغوطًا من الرسوم.
الشحن الجوي.. حل مؤقت للاضطرابات
في قطاع الشحن الجوي، تسبب إعصار راجاسا في إلغاء آلاف الرحلات الجوية من مطارات المناطق المتضررة، بما في ذلك هونج كونج. ورغم التوقع باستئناف بعض الرحلات اليوم، فإن هذه الاضطرابات في الخدمات اللوجستية البحرية قد تؤدي إلى تحول مؤقت نحو النقل الجوي لضمان تسليم البضائع العاجلة قبل العطلات.
وتظهر بيانات مؤشر فريتوس الجوي أن أسعار الشحن بين الصين وأوروبا، البالغة 3.72 دولار للكيلوغرام، ظلت مستقرة تقريبًا منذ منتصف يوليو، وهي مساوية تقريبًا لأسعار العام الماضي. ومع ذلك، سجلت الأسعار ارتفاعًا طفيفًا حتى الآن هذا الأسبوع لتصل إلى حوالي 4.00 دولارات للكيلوجرام، ما قد يعكس زيادة في الطلب الجوي بسبب إغلاق الحدود في بولندا الذي أدى إلى تعطيل خطوط السكك الحديدية بين الصين وأوروبا. كما ارتفعت أسعار الشحن الجوي من الصين إلى أمريكا الشمالية بنسبة 4% الأسبوع الماضي لتصل إلى 5.44 دولار للكيلوغرام، رغم أن هذا السعر لا يزال أقل من مستواه في العام الماضي الذي كان عند حوالي 5.80 دولار للكيلوجرام.













