التحول الرقمي في الموانئ السعودية… من الأتمتة إلى الموانئ الذكية

الموانئ السعودية

تشهد الموانئ السعودية في السنوات الأخيرة تحولًا رقميًا شاملًا يضعها في مقدمة الموانئ العالمية الذكية.

يأتي ذلك انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تعزيز كفاءة البنية التحتية، رفع تنافسية القطاع اللوجستي، وتسهيل التجارة غير النفطية.

لم يعد هذا التحول مجرد خطط نظرية، بل تجسّد في مبادرات عملية وتواريخ مفصلية.

شملت هذه المبادرات منصات إلكترونية، أنظمة أتمتة، شراكات تقنية، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية.

مبادرة الموانئ الذكية

في 20 مارس 2022، أطلقت الهيئة العامة للموانئ “موانئ” مبادرة الموانئ الذكية Smart Ports Initiative عبر توقيع مذكرات تفاهم مع شركات تقنية عالمية مثل STC، هواوي، وإريكسون.

بالإضافة إلى مشغلي المحطات Red Sea Gateway Terminal وSaudi Global Ports وDP World.

وهدفت هذه المبادرة إلى إدخال تقنيات الجيل الخامس، الحوسبة السحابية، إنترنت الأشياء، وأمن المعلومات إلى صلب العمليات التشغيلية.

منصة فسح

بالتوازي، واصلت منصة فسح التي أطلقت في 2019 توسعها، لتصبح نافذة موحدة تختصر الزمن اللازم للتخليص الجمركي لأقل من 24 ساعة.

ومن خلال هذه المنصة، ظهرت خدمات نوعية مثل تصريح مغادرة السفن Ship Port Clearance الذي يمكن لوكيل السفينة طلبه إلكترونياً.

ولتنظيم حركة الشاحنات، جاء إطلاق Truck Management System في عدة موانئ، بدءًا من ميناء جدة الإسلامي في أكتوبر 2020.

مكّن هذا النظام الناقلين من حجز مواعيد مسبقة، تقليل الازدحام، وتسريع عملية التخليص الجمركي.

ثم أُتبعت الخطوة بقرار إلزامي في نوفمبر 2021 يمنع دخول أي شاحنة من دون موعد مسبق عبر فسح، ما خفّض زمن الانتظار عند البوابات ورفع الكفاءة التشغيلية.

وفي 2024، أعلنت “موانئ” عن تدشين Port Community System (PCS) خلال مؤتمر LEAP24، كمنصة وطنية موحدة.

تقدم هذه المنصة أكثر من 250 خدمة إلكترونية، وتربط القطاعين العام والخاص، ما عزز الشفافية وسهولة تبادل البيانات.

أما على صعيد الموانئ السعودية الفردية، فقد لعب ميناء الملك عبدالله دورًا رياديًا، ففي 2017.

فقد تم إنشاء غرفة عمليات مركزية للفحص الجمركي بالأشعة على مدار الساعة، وربط أنظمة الفحص بشبكة لاسلكية متطورة.

كما شهد العام نفسه أول ربط إلكتروني بين نظام مجتمع الميناء ونظام SANAM للجمارك، لتبادل البيانات إلكترونيًا.

شراكة لتطوير نظام البوابة الذكية

وفي 2023، وقع الميناء شراكة مع شركة تبادل لتطوير نظام البوابة الذكية Smart Gate System ودمجه مع نظام إدارة الشاحنات.

يتيح هذا النظام تحكمًا أفضل في دخول وخروج الشاحنات وتنسيقًا فعالًا مع الجهات الحكومية.

واليوم، يعتمد الميناء على بوابات تتحقق آليًا من هوية السائق والمركبة والبضائع، ما قلل التدخل اليدوي وسرّع حركة المناولة.

طرف محطة جديد في ميناء جدة

وفي ميناء جدة الإسلامي، توجت الجهود بتدشين طرف محطة جديد في مارس 2025 باستثمارات ضخمة بلغت 3 مليارات ريال، بالشراكة بين DP World و”موانئ”.

وسيُجهَّز هذا الطرف بـ 17 رافعة “Megamax” بحلول نهاية العام، وسيتيح تحسين زمن إنجاز المعاملة عند البوابة من دقيقتين إلى 10 ثوانٍ فقط، بفضل أنظمة التتبع الذكي والرقمنة الشاملة للعمليات.

جاء هذا التطوير مكملًا لنظام الشاحنات ومبادرات إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي التي تم إدخالها سابقًا.

ساعد هذا النظام على تقليص فترات الانتظار، وتحسين انسيابية الحركة.

نقلة في ميناء الملك عبدالعزيز

أما ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام، فقد شهد نقلة كبرى في أبريل 2020 حين وقّعت “موانئ” أكبر عقد بنظام البناء والتشغيل والتحويل (BOT) مع Saudi Global Ports باستثمار يزيد على 7 مليارات ريال.

ونص العقد على تطوير محطتي الحاويات، بهدف رفع الطاقة الاستيعابية، تحديث البنية الأساسية، وإدخال أحدث أنظمة الأتمتة في التشغيل.

كما شهد الميناء في أغسطس 2024 إطلاق منطقتين لوجستيتين جديدتين بالشراكة مع Aljerri Group باستثمار بلغ 160 مليون ريال.

ووفقًا لعقد الشراكة، سيتم إنشاء المنطقين على مساحة 150 ألف متر مربع، بهدف دعم سلاسل التوريد وتقليل زمن النقل بين الميناء والمستودعات.

الموانئ السعودية ١

ميناء نيوم.. نموذج الموانئ المستقبلية

ولا يمكن إغفال ميناء نيوم الذي يعد نموذجًا للموانئ المستقبلية. ففي يونيو 2025، بدأ إدخال رافعات متحركة Ship-to-Shore STS تعمل بالتحكم عن بُعد.

بالإضافة إلى رافعات مطاطية كهربائية eRTG، كخطوة نحو التشغيل الآلي الكامل.

ومن المقرر أن يتم افتتاح المحطة الأولى في 2026 بقدرة على استقبال السفن العملاقة، مع تجهيزات تشمل أرصفة بطول 900 متر وقنوات موسعة.

ويواكب ذلك برامج تدريبية محلية شملت نساء من منطقة تبوك للعمل في تشغيل الرافعات عن بُعد، ما يعكس البعد البشري في إستراتيجية الأتمتة.

إدماج الموانئ الصناعية

إلى جانب هذه الموانئ، استفادت موانئ صناعية مثل الجبيل وينبع من إدماجها ضمن مظلة المبادرات الوطنية، فباتت تستفيد من خدمات Fasah، PCS، وحجز المواعيد المسبق للشاحنات.

كما شملت التحسينات الجوانب الخدمية عبر اتفاقيات مثل الشراكة الموقعة في يناير 2023 مع MARASI Marine Services.

وتستهدف هذه الاتفاقيات إقامة أندية للبحارة في جدة، الدمام، ورأس تنورة، لتحسين جودة الحياة والخدمات المقدمة لطاقم السفن.

انعكست هذه التحولات على الأداء بشكل مباشر؛ ففي ميناء الملك عبدالله، تحقق التخليص الجمركي في 24 ساعة بعد أن كان يستغرق أيامًا.

وفي جدة، خفّضت أنظمة إدارة الشاحنات زمن الانتظار عند البوابات، فيما حسّنت البوابات الذكية في الدمام من الانسيابية.

أما نيوم فيتأهب ليكون أول ميناء سعودي يعتمد بالكامل على التشغيل الذكي والتحكم عن بُعد.

ومع استمرار الاستثمار في التقنية، والأتمتة، يبدو أن المستقبل سيحمل للموانئ السعودية دورًا محوريًا في رسم خريطة التجارة العالمية.