مجدى صادق يكتب.. العلاقات الأمريكية ورؤية المملكة 2030 والتحول إلى الاقتصاد الرقمي ومركز عالمي للذكاء الاصطناعي!

لم يعد بالإمكان اختزال العلاقات السعودية الأمريكية في صيغة بسيطة قائمة على النفط مقابل الدفاع، مثلما قال سفير واشنطن السابق في الرياض مايكل راتني، بل أصبحت الشراكة تعكس حقائق اقتصادية جديدة ومجالات للتعاون آخذة في التوسع، حيث تنظر زيارة صاحب السمو الملكي، الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الحالية إلى واشنطن اتفاقيات مليارية.
وقد ارتفع حجم الاستثمارات والتجارة مع الولايات المتحدة من 600 مليار دولار، إلى تريليون دولار، وهو ما يؤكد التحول في بنية العلاقات السعودية الأمريكية على الأصعدة كافة.
ومثلما قال الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فإن الزيارة أكثر من مجرد لقاء بل هي تكريم للسعودية وولي عهدها الأمين، حيث كانت الحفاوة في مراسم الاستقبال تاريخية، كما جرى التنسيق للشراكة الاستراتيجية التي تستند إلى إرث يتجاوز العقود التسعة، ودفع العلاقات بين البلدين إلى أن أصبحت حليفًا رئيسيًا من خارج حلف الناتو.
وفي يناير الماضي أعلنت المملكة عزمها زيادة استثماراتها وتجارتها مع الولايات المتحدة بـ600 مليار دولار خلال أربع سنوات، وهي القيمة التي أعلن رفعها إلى تريليون دولار، مثلما أعلن الأمير محمد بن سلمان في المؤتمر الصحفي بالمكتب البيضاوي، بما يعكس التحول الواضح في حجم الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
ولم تكن المعركة التي دارت رحاها في أروقة المنظمة البحرية الدولية “IMo” بلندن، تظهر هذا الموقف المشترك، إذ إن السعودية والولايات المتحدة تتفقان على ضرورة عدم التسرع في فرض آلية تسعير الكربون، مثل الضرائب أو الرسوم التي قد تعيق النمو الاقتصادي، أو تفتقر إلى العدالة، ويفضل البلدان الاعتماد على تقنيات كالاقتصاد الدائري للكربون، والشراكة التقنية لخفض الانبعاثات باستخدام احتجاز الكربون، وتقنيات الطاقة النظيفة. فيما نجحت المملكة والولايات المتحدة وحلفاؤهما في تأجيل الموافقة على قرار المنظمة البحرية الدولية بشأن الانبعاثات الكربونية.
ويأتي قطاع النقل البحري والمينائي واللوجستيات، حيث الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية والعمل على تأمين سلاسل الإمداد وحركة التجارة العربية في البحر الأحمر ضمن أولويات التعاون بين الدولتين، خاصة أنه يشهد تطورًا كبيرًا وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030 لتصبح المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا، وملتقى ثلاث قارات.
وتشهد شركة “البحري” وهيئة “التصنيف الأمريكية” ـABS ـ إحدى أقدم هيئات التصنيف البحرية العالمية ـ تعاونًا كبيرًا حول تعزيز المعايير التقنية والسلامة والابتكار في القطاع البحري واللوجستي، خاصة في منطقة الشرق الأوسط. فيما تم تعيين المهندس خالد الحماد، رئيس شركة بحري لإدارة السفن، رئيسًا للجنة الإقليمية لهيئة ABS في الشرق الأوسط.
هذا التعيين يعكس الدور المحوري لشركة “البحري”، وخبرتها في المنطقة، ويضمن مشاركة فعالة في صياغة الاستراتيجيات والمعايير التي تتبنّاها “ABS” على مستوى الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بمسائل الاستدامة البيئية والبيئة البحرية والتقنيات المتقدمة وسلامة التشغيل، بصفتها هيئة تصنيف مسؤولة عن منح شهادات الصلاحية الفنية والأمان للسفن.
ومن المرجح أن تتعاون “البحري” بشكل وثيق مع “ABS” لتصنيف عدد من أسطولها من ناقلات النفط والكيماويات والبضائع، لضمان امتثالها لأعلى المعايير الدولية، حيث تستفيد “البحري” من الخبرة التقنية لجهة التصنيف الأمريكية في مجالات كالرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتقنيات إزالة الكربون، التي تهدف لتحسين أداء الأساطيل البحرية وتقليل المخاطر التشغيلية، بما يتوافق مع التوجهات العالمية والبيئية، وذلك من خلال مركز التميز البحري للتقنية والابتكار الذي أعلن تأسيسه بين الهيئة العامة للنقل السعودية، وهيئة التصنيف الأمريكية.
وفي إطار دعم طموح رؤية السعودية 2030 لجعل المملكة مركزًا عالميًا للحوسبة والذكاء الاصطناعي، تأتي أهمية العلاقات بين البلدين، في سبيل تعزيز الاستثمار بالبنى التحتية ومراكز البيانات، وهو ما يعد من أهم ركائز البنية التحتية الرقمية للموانئ السعودية واللوجستيات، حيث يتم التركيز على بناء القدرة الحاسوبية اللازمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت أحد محاور تطوير تلك الموانئ لتنافس عالميًا.
ومن استثمارات الشركات الأمريكية في المملكة شركة “أمازون ويب سيرفيسز”، “إيه دبليو إس”، “مايكروسوفت”، للعمل على إنشاء منطقة سحابية للذكاء الاصطناعي بالمملكة.
وأيضًا “جوجل كلاود” الأمريكية التي تخطط لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي باستثمارات مالية ضخمة مع شركاء سعوديين، في حين تظهر في الصورة أيضًا الاستثمارات السعودية في أمريكا ومنها شركة “داتا فولت” باستثمارات ضخمة لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي، وبنية تحتية للطاقة، والأوفشورز.
وكذلك شركة “هيوماين” التي وقعت مع “AMD” اتفاقية لتشييد بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، تمتد بين السعودية والولايات المتحدة.
وفي الوقت ذاته تسعى المملكة للحصول على أحدث الرقائق الحاسوبية المتطورة، مثل شرائح “إنفيديا” التي تعد بالغة الأهمية لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، وتم الإعلان عن بيع أكثر من 18 ألف شريحة متقدمة لشركة “هيوماين” لتطوير قدرات السعودية في هذا المجال، والعمل على تدريب وتطوير الكفاءات بالمملكة، حيث يتم التعاون مع شركات أمريكية كبرى مثل “جوجل”، و”أمازون”، و”آبل” لتدريب وبناء القدرات الرقمية في المملكة.
ولم يكن وجود إيلون ماسك في حفل العشاء الفاخر على شرف صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، مصادفة إذ ربما سيكون له دور استثماري بالمملكة، حيث كان ضمن رجال أعمال وادي السيليكون الذين كانوا بصحبة ترامب إلى المملكة.
وبكل تأكيد تنعكس العلاقات بين البلدين بهذا الزخم، الذي تابعه العالم، على قطاع الموانئ واللوجستيات، حيث تسهم تلك الشراكة في زيادة جاذبية القطاع اللوجستي السعودي للشركات الأمريكية، في ظل زيادة الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، وتوقيع الشراكات والاتفاقيات بين شركات من كلا البلدين، مثل اتفاقية بين “ميناء الملك عبد الله”، وشركة “جونسون كونترولز” العربية، وشركة “البحري” للخدمات اللوجيستية، بهدف استكشاف فرص التصدير وتطوير العمليات اللوجستية بين البلدين، وتعمل على أتمتة العمليات التشغيلية عبر الاعتماد على أنظمة الرؤية الحاسوبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لمراقبة وتحديد الحاويات ومتابعة أسطول الشاحنات وقراءتها المعروفة تراك آي دي.
ويقود هذا إلى تسريع عمليات الشحن والتفريغ وتقليل الأخطاء البشرية، كما يعمل على تحسين مسارات النقل البحري والبري المرتبطة بالميناء، بما يقلل من استهلاك الوقود، ويخفض الانبعاثات الكربونية لتعزيز استدامة الاقتصاد الرقمي المستدام، وتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في تعزيز مبادرة السعودية الخضراء، وأن تصبح المملكة بحق اللاعب الرئيسي الكبير في المنطقة.