موانئ جنوب إفريقيا تتحدى العاصفة.. إنجاز قياسي رغم “التجارة المعاكسة”

موانئ جنوب أفريقيا تتحدى العاصفة: إنجاز قياسي وسط رياح التجارة المعاكسة
موانئ جنوب أفريقيا تتحدى العاصفة: إنجاز قياسي وسط رياح التجارة المعاكسة

في إشارة قوية على مرونة قطاع الخدمات اللوجستية في جنوب إفريقيا. حققت موانئ الحاويات إنجازًا تشغيليًا غير مسبوق بتداول ما يقرب من 19 ألف حاوية نمطية مكافئة لعشرين قدمًا (TEU) في يوم واحد، خلال شهر أغسطس.

هذا الرقم، الذي بلغ 18,689 حاوية تحديدًا. هو أعلى حجم يومي يسجل منذ بدء جائحة كورونا. ويأتي في وقت يواجه فيه القطاع ضغوطًا سياسية وتجارية غير مسبوقة.

نقطة تحول فارقة بعد عامين من التحديات الهائلة

يشار غلى أن هذا الإنجاز لم يكن مجرد رقم عابر، بل يمثل نقطة تحول فارقة بعد عامين من التحديات الهائلة. التي أثرت على سلاسل الإمداد الوطنية. وهو ما أشار إليه الخبراء ووكلاء الشحن، من أنه دليل على أن الموانئ الجنوب إفريقية لا تزال قادرة على الأداء المتميز، رغم القيود.

دليل على مرونة القطاع البحري في البلاد

كما تبرز رابطة وكلاء الشحن في جنوب إفريقيا (SAAFF) هذا الإنجاز كدليل على مرونة القطاع البحري في البلاد. فبحسب خوانيتا ماري، الرئيسة التنفيذية للرابطة، يمثل هذا الأداء نقطة تحول حقيقية.

فيما تقول ماري في تصريحات نقلتها “موانئ إفريقيا”: “كانت الأشهر الأربعة والعشرون الماضية مليئة بالتحديات. لكن مع المعدات الجديدة، والعمليات المُعدّلة، والجهود الجماعية. بدأ أداء الموانئ يستقر”. نقلا عن موقع “africa.businessinsider”.

وكذلك لم تنسب ماري هذا النجاح إلى طرف واحد. بل وصفته بأنه جهد جماعي. “هذا ليس نجاح فرد واحد، بل نجاح العديد – فقد لعب أعضاء رابطة وكلاء الشحن في جنوب إفريقيا (SAAFF) وشركاء القطاع دورًا حيويًا في هذه الرحلة”.

علاوة على ذلك قد سجل هذا الرقم القياسي في الأسبوع العشرين. وهو اليوم الرابع من السنة المالية لشركة “ترانسنت”. المشغل الرئيسي للموانئ في البلاد. هذا الإنجاز. الذي يقترب من الهدف الطموح البالغ 20,000 حاوية. يؤكد صمود وتعاون مجتمع الخدمات اللوجستية. ومُشغلي الموانئ، والجهات المعنية في القطاع، حسب وصف ماري.

تحديات محلية ودولية تُلقي بظلالها

كما يشار إلى أن هذا الإنجاز يأتي في وقت حرج. حيث تواجه جنوب إفريقيا حالة متزايدة من عدم اليقين في ظل نظام التعريفات الجمركية الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقد أدت هذه التعريفات إلى فرض تكاليف جديدة وضغوط تنافسية على الصادرات الرئيسية للبلاد. خاصة في قطاعي التعدين والزراعة.

كما تتفاقم هذه الضغوط السياسية الخارجية بفعل التحديات الداخلية التي طالما أثرت على كفاءة الموانئ. فتقادم البنية التحتية، ومحدودية القدرة على مناولة البضائع، والتأخيرات المتكررة. كلها عوامل تزيد من تكاليف التشغيل لخطوط الشحن والتجار. وتُضعف من تنافسية البلاد كمركز تجاري.

كذلك قد تجسدت هذه التحديات في قرار شركة الشحن العالمية العملاقة، ميرسك، بتقليص عملياتها في موانئ جنوب إفريقيا. وهي خطوة أثارت قلقًا واسعًا في القطاع. لم تعلن ميرسك عن تخليها الكامل عن الموانئ الجنوب إفريقية. بل قامت بإعادة توجيه جزء من عملياتها إلى موانئ بديلة في القارة. مما يبرز المخاطر التي تواجهها جنوب إفريقيا في حال عدم حل الاختناقات التشغيلية.

هل يمكن الحفاظ على الزخم؟

بينما يقول مراقبو القطاع إن هذا الإنجاز. وإن كان رمزيًا. يرسي معيارًا قويًا لمواصلة تحسين أداء موانئ جنوب إفريقيا. ومع ذلك، يحذر الخبراء من صعوبة الحفاظ على هذا الزخم دون إجراء إصلاحات هيكلية جذرية.

فالحفاظ على هذه الإنجازات يتطلب استمرار الاستثمار في تحديث البنية التحتية للموانئ، وتبني تكنولوجيا جديدة لزيادة الكفاءة، بالإضافة إلى معالجة القيود السياسية والتجارية التي تؤثر على تدفقات التجارة.

إن الأداء القياسي الذي حققته الموانئ يظهر أن القدرة التشغيلية موجودة. لكنها بحاجة إلى دعم سياسي وتشغيلي مستدام لتتحول من أداء استثنائي إلى أداء يومي ثابت. وفي ظل التحديات التي لا تزال قائمة، من الأهمية بمكان أن تعمل جميع الأطراف المعنية – من الحكومة إلى القطاع الخاص – على تنفيذ خطط إصلاح شاملة لضمان مستقبل مزدهر لقطاع الشحن في جنوب إفريقيا.

رؤى خبراء ومستقبل الصناعة

يشدد المحللون على أن الاعتماد على الإنجازات اليومية دون إصلاحات هيكلية قد يكون قصير الأمد. فالتنافس الإقليمي يزداد حدة، خاصة مع ظهور موانئ بديلة في القارة الأفريقية تقدم كفاءة وسرعة أكبر.

يجب أن يكون هذا الإنجاز بمثابة حافز لاتخاذ إجراءات حاسمة. فالاستثمارات في تحديث المعدات، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وتحسين إدارة سلسلة التوريد. لم تعد خيارات ترفيهية، بل ضرورة ملحة. كما أن الحوار المستمر بين القطاعين العام والخاص أمر حيوي لضمان أن تكون السياسات التجارية والتشغيلية داعمة للنمو وليس عائقًا له.

إن قصة موانئ جنوب إفريقيا هي قصة مرونة وتصميم في مواجهة الصعاب. وإذا ما تمكنت البلاد من ترجمة هذا الإنجاز القياسي إلى برنامج إصلاح شامل. فإنها ستضمن لنفسها مكانة رائدة في التجارة العالمية وتتغلب على رياح التجارة المعاكسة، محققة بذلك نموًا مستدامًا لقطاعها البحري.