ارتفاعات متسارعة في أسعار الشحن البحري عالميًا

الشحن البحري
الشحن البحري

تشهد سوق الشحن البحري العالمية، في الفترة الراهنة، مرحلة غير مسبوقة من الاضطرابات والتقلبات الحادة.

يأتي ذلك وسط ضغوط متزايدة على الأسعار، وتحديات متنامية تواجه حركة النقل البحري بين مختلف القارات.

ويأتي هذا المشهد في وقت تتزايد فيه معدلات الطلب على السعة الشحنية، بالتوازي مع تصاعد تكاليف الشحن الفوري التي أثقلت كاهل الشاحنين والمستوردين.

جاء ذلك بحسب التقرير الأسبوع لشركة “زينيتا”، المتخصصة في تحليل بيانات الشحن البحري والجوي.

وقال التقرير إن ارتفاع التكاليف سببها تأثيرات متشابكة تتعلق بالوضع الجيوسياسي والاقتصادي العالمي. إلى جانب التحولات التي طرأت على سياسات التجارة الدولية خلال الأشهر الأخيرة.

ارتفاعات حادة في أسعار الشحن

وأضاف التقرير، أن شركات الشحن البحري الكبرى تسعى إلى اتخاذ خطوات سريعة لإعادة ضبط أسعار خدماتها، بما يتوافق مع الأوضاع المتغيرة في السوق.

وعلى رأس هذه الشركات تأتي “ميرسك”، الخط الملاحي العالمي الرائد، التي باتت تلعب دورًا محوريًا في تحديد التوجهات السعرية لقطاع الشحن.

ويبدو أن هذه التحركات لا تأتي في إطار تنافسي بقدر ما هي ضرورة اقتصادية فرضها الواقع الحالي.

وأكد تقرير الشركة، أن الشركات تحاول مواجهة الزيادات المستمرة في التكاليف التشغيلية.

بالإضافة إلى التعامل مع تعقيدات سلاسل التوريد التي ما زالت تعاني من آثار جائحة “كوفيد-19” وتداعيات النزاعات الجيوسياسية، بحسب التقرير.

تحديث “زينيتا” و التغيرات الجمركية

كشف تقرير “زينيتا” عن ارتفاعات كبيرة ومفاجئة في الأسعار الفورية على عدد من المسارات الإستراتيجية.

ونوه التقرير إلى أنه من أبرز هذه المسارات، المسار الذي يربط الشرق الأقصى بالساحل الغربي للولايات المتحدة.

وسجلت الأسعار ارتفاعًا بنسبة 88 % لتصل إلى 6100 دولار، لكل حاوية مكافئة لأربعين قدمًا، مقارنةً بما كانت عليه في نهاية شهر مايو الماضي.

وأرجعت الشركة هذا الارتفاع إلى إعلان الحكومة الأمريكية تعليق الرسوم الجمركية مؤقتًا على عدد من الواردات القادمة من الصين.

تعليق الإعلان دفع العديد من الشاحنين إلى تسريع عمليات الشحن خلال فترة السماح التي تمتد لـ90 يومًا؛ ما شكل ضغطًا استثنائيًا على سعة النقل المتاحة.

رسوم جديدة من “ميرسك”

كما شملت هذه الارتفاعات المسار من الشرق الأقصى إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة؛ حيث قفزت الأسعار بنسبة 67 % لتبلغ 7180 دولارًا للحاوية.

وكذلك المسار من الشرق الأقصى إلى شمال أوروبا الذي شهد زيادة بنسبة 32 % لتصل الأسعار فيه إلى 2704 دولارات.

وأشار التقرير إلى أن هذا التناقض بين وفرة السعة وارتفاع الأسعار يعكس وجود عوامل غير تقليدية تضغط على السوق.

ومن أهم هذه العوامل تغير سلوك الشحن وتراكم الطلب الموسمي، إلى جانب العوامل السياسية والجمركية المؤثرة، بحسب التقرير.

رسوم موسم الذورة

في ضوء هذه التطورات، أعلنت شركة “ميرسك” عن فرض رسوم إضافية جديدة وهي رسوم موسم الذروة (PSS)، والتي دخلت حيز التنفيذ 2 يوليو الجاري.

وتطبق هذه الرسوم على عدد من مسارات الشحن التي تربط دول جنوب آسيا ومنطقة الخليج العربي بالساحل الشرقي للولايات المتحدة وكندا.

بينما تم استثناء الموانئ المصرية من هذه التعديلات، في خطوة قد تعكس اعتبارات تجارية أو شراكات إستراتيجية خاصة بالمنطقة.

وتعد هذه الرسوم جزءًا من محاولات “ميرسك” لمواكبة الارتفاع المفاجئ في الطلب.

إلى جانب محاولات تجنب أي اختناقات محتملة قد تؤثر في التزاماتها التشغيلية خلال ذروة موسم الشحن الصيفي.

ووفق ما جاء في بيان شركة “ميرسك” الدنماركية، فإنها بدأت بفرض رسوم إضافية جديدة.

وتشمل الرسوم 600 دولار، لكل حاوية شحن من شمال غرب الهند، ونيبال، وبوتان إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة وكندا.

كما حددت الشركة رسوم موسم الذروة عند ألف دولار للحاوية الواحدة، كخطوة لتعويض الضغط على السعة المتوفرة وارتفاع تكاليف التشغيل.

ويشمل ذلك للشحنات القادمة من جنوب وشرق الهند، وسريلانكا، وبنغلاديش، وجزر المالديف.

رسوم شحن جديدة تشمل آسيا والخليج

وفي تصعيد إضافي، فرضت “ميرسك” رسومًا أعلى على الحاويات ذات السعة الأصغر.

وبلغت الرسوم 1500 دولار للحاوية التي يبلغ حجمها 20 قدمًا، وألفي دولار لحاوية 40 قدمًا.

وقررت الشركة الملاحية تطبيق هذه الرسوم على الشحنات من جنوب وشرق الهند، وسريلانكا، وبنغلاديش، وجزر المالديف.

كما شملت التعديلات فرض رسوم قدرها ألفي دولار على الحاويات القادمة من باكستان، سواء كانت بحجم 20 قدمًا أو 40 قدمًا.

وقررت الشركة رفع رسوم الشحن على الحاويات القادمة من موانئ الإمارات العربية المتحدة، واليمن.

كذلك سلطنة عمان، والعراق، والكويت، والأردن، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والبحرين.

التذبذبات الكبيرة في أسعار الشحن عالميًا

هذه الزيادات تمثل محاولة من شركة “ميرسك” وغيرها من شركات الشحن الكبرى لتعويض الارتفاع المفاجئ في الطلب.

بالإضافة إلى تغطية التكاليف التشغيلية المرتفعة التي رافقت التذبذبات الكبيرة في أسعار الشحن عالميًا.

وبحسب تقديرات المحللين في شركة “زينيتا”، الواردة في التقرير، فإن هذه الرسوم الإضافية تعكس حجم القلق المتزايد لدى الشاحنين من احتمالية تعرض سلاسل الإمداد لمزيد من الاضطرابات.

وشددت الشركة أن هذه الاضطرابات قد تحدث في ظل التحركات التجارية المتسارعة قبل نهاية فترة السماح الأمريكية.

ويهدف الكثير من المستوردين حاليًا إلى إعادة تعبئة مخزوناتهم بشكل استباقي قبل أي تطورات مفاجئة في السياسات التجارية.

ذروة الأسعار

وفي ضوء ذلك، أوضح “بيتر ساند”؛ كبير المحللين في “زينيتا”، أن السوق قد تشهد ذروتها من حيث الأسعار خلال شهر يوليو الجاري.

وتوقع “ساند” أن تبدأ الأسعار بالاستقرار والانخفاض تدريجيًا مع تحسن الإمدادات العالمية، وعودة التوازن في حركة الشحن.

وأشار إلى أن هذه المرحلة ستكون مؤقتة ولكنها مكلفة للغاية بالنسبة للعديد من الشاحنين والمستوردين، خاصة أولئك الذين يعتمدون بشكل أساس على المسارات المتجهة إلى أمريكا الشمالية.

تحذيرات من فترة حرجة للسوق

وحذر “ساند” من أن قطاع الشحن البحري العالمي مقبل على فترة حرجة تتطلب من جميع الأطراف المعنية، سواء كانوا شركات أو مستوردين أو سلاسل توريد.

وطالبهم بتبني سياسات أكثر مرونة واستباقية للتعامل مع موجات الارتفاع المحتملة التي قد تعاود الظهور.

واعتبر كبير المحللين بالشركة أن التوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية العالمية لازالت تلعب دورًا رئيسًا في رسم ملامح السوق؛ ما يجعل التوقعات غير مستقرة والقرارات أكثر تعقيدًا.

وأكد الحاجة الملحة للتخطيط طويل الأمد وإعادة هيكلة السياسات التجارية واللوجستية، لمواجهة التحديات القادمة بكل كفاءة واستعداد.