طوّر فريق من الباحثين تقنية حديثة تمكّن من إنتاج الهيدروجين مباشرة من مياه البحر، دون الحاجة إلى عمليات التحلية.
وتتيح هذه الطريقة تقليل التكاليف وتحسين كفاءة إنتاج الهيدروجين الأخضر، ما يسهم في دعم استخدام الطاقة النظيفة في البيئات التي تعاني من شحّ المياه العذبة.
ابتكار قطب كهربائي مقاوم للتآكل
ابتكر الباحثون في جامعة الشارقة بدولة الإمارات قطبًا كهربائيًا متعدد الطبقات، يتمتع بقدرة عالية على مقاومة التآكل وتراجع الأداء الناتج عن أيونات الكلوريد.
ويعد هذا التطور تقدمًا مهمًا في مجال التحليل الكهربائي لمياه البحر، حيث يحل واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه هذه العملية في ظروف التشغيل التقليدية.
جاء ذلك وفق ما نقلته منصة “إنترستينغ إنجينيرينغ” (Interesting Engineering)، المتخصصة في نشر محتوى علمي وتقني وهندسي.
استخلاص الهيدروجين بدون تحلية أو إضافات كيميائية
تمكّن الباحثون من استخراج الهيدروجين من مياه البحر مباشرة، دون الحاجة لإزالة الأملاح المعدنية أو استخدام أي مواد كيميائية إضافية.
ويمثل هذا الاختراق العلمي خطوة مهمة نحو إنتاج طاقة نظيفة بطريقة بسيطة وآمنة بيئيًا، دون المساس بتركيبة المياه الطبيعية.
إلغاء الحاجة لمحطات التحلية المكلفة
يشير الباحثون إلى أن التقنية الجديدة تلغي تمامًا الحاجة لمحطات تحلية المياه، التي تُعد من أكثر المنشآت تكلفة في البناء والتشغيل.
وقد تصل تكلفة إنشاء هذه المحطات إلى مئات الملايين من الدولارات، مما يجعل الاستغناء عنها خيارًا اقتصاديًا جذابًا خاصة في الدول النامية.
يعد الهيدروجين بديلًا واعدًا رغم أن إنتاجه تقليديًا يتطلب مياهًا نقية يصعب توفيرها، بحسب تقرير المنصة.
لكن هذا البحث يفتح الباب أمام إنتاج الهيدروجين مباشرة من مياه البحر، ما يخفف الضغط على الموارد المائية العذبة في مختلف أنحاء العالم.
كفاءة صناعية عالية واستدامة طويلة الأمد
استطاع النموذج، الذي طوّره باحثو جامعة الشارقة، الحفاظ على استقرار الأداء في إنتاج الهيدروجين لأكثر من 300 ساعة تشغيل.
وقد سجل النظام كفاءة مذهلة بلغت 98 %، ما يدل على أن الغالبية العظمى من الطاقة الكهربائية تحوّلت إلى غاز الهيدروجين بفعالية شبه كاملة.
تصميم قطب كهربائي مبتكر
أوضح تنوير الحق، الأستاذ المساعد في قسم الكيمياء بجامعة الشارقة والمؤلف الرئيس للدراسة، أن الفريق طوّر قطبًا كهربائيًا جديدًا متعدد الطبقات لاستخراج الهيدروجين من مياه البحر.
وأشار إلى أن الطرق التقليدية تواجه مشكلات مزمنة، أبرزها التآكل وتراجع الأداء بسبب وجود أيونات الكلوريد، وهو ما تجاوزته التقنية الجديدة.
بيئة تفاعلية تحمي القطب وتعزز الأداء
أكد الدكتور الحق أن القطب الكهربائي الجديد تم تصميمه خصيصًا لخلق بيئة دقيقة وواقية، تعزز الأداء وتقاوم التلف.
وأوضح أن هذه البيئة تتيح استمرارية عمل القطب في ظروف صعبة، ما يجعل التحليل الكهربائي المباشر لمياه البحر خيارًا صناعيًا واعدًا.
بحث علمي قابل للتطبيق والتوسيع
أشار الباحث إلى أن الدراسة أثبتت إمكانية تطوير التحليل الكهربائي المباشر لمياه البحر، ليصبح عملية قابلة للتوسيع صناعيًا.
وقد حققت التقنية الجديدة توازنًا بين الكفاءة العالية والاستدامة، مع حماية فعالة للأقطاب من عوامل التآكل والتلف المستمر.
اعتمدت الدراسة المنشورة في مجلة Small على التكامل الإستراتيجي لما يُعرف بـ”قواعد لويس للكربونات”، والتي ثُبّتت على هيدروكسيدات مزدوجة الطبقات من الكوبالت.
ويعد هذا الأساس الكيميائي محورًا في دعم الأداء واستقرار النظام ضمن بيئة مياه البحر المالحة والمعقدة.
دور البورون في تعزيز الحماية ومقاومة التآكل
كشف الفريق البحثي أن دمج عنصر البورون في مصفوفة أكسيد هيدروكسيد النيكل أدى إلى تكوين طبقة ميتابورات واقية.
تمنع هذه الطبقة ذوبان المعدن وتشكّل أكاسيد غير موصلة، ما يزيد من مقاومة التآكل ويُحافظ على كفاءة التحليل الكهربائي في ظروف مياه البحر القاسية.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة جوهرية نحو إنتاج الهيدروجين من مياه البحر مباشرة، دون اللجوء إلى تحلية المياه.
آلية كيميائية ذكية لفصل الهيدروجين
أوضح الباحثون أن استخدام قاعدة لويس يؤدي إلى تفاعل ديناميكي يُفكك جزيئات الماء باستمرار ويعزل أيونات الهيدروجين بفعالية.
وينتج عن هذا التفاعل بيئة حمضية دقيقة تعزز عملية التحليل الكهربائي وتدعم استمرارية توليد الهيدروجين بكفاءة.
تعزيز تفاعل الأكسجين والحماية من التآكل
تساهم البيئة الحمضية الناتجة عن تصميم الأنود في تعزيز تفاعل تطور الأكسجين (OER)، وهو عنصر رئيس في عملية التحليل الكهربائي.
كما تعمل هذه البيئة على الحماية من تأثيرات أيونات الكلوريد الضارة ومنع تكوّن الرواسب، وفقًا لما ورد في التقرير.
وأشار الباحثون أن هذه الميزة تعالج التحديات المرتبطة بالاستقرار والكفاءة في التحليل المباشر لمياه البحر.
عمر افتراضي طويل ومقاومة عالية للتآكل
من أبرز مزايا النظام الجديد قدرته على العمل لأكثر من 300 ساعة دون أي تراجع في الأداء، وفق ما أكده الدكتور تنوير الحق.
وأشار إلى أن القطب الكهربائي يقاوم التآكل بشكل فعال، وهو ما يجعل هذا الابتكار أكثر استدامة.
كما كشفت الدراسة أن طبقة الكربونات في التصميم الجديد تعمل كدرع كهروستاتيكي، يقي القطب من الذوبان.
وتساهم هذه الطبقة في الحفاظ على البنية المتعددة للقطب الكهربائي، مما يعزز من مقاومته للتدهور في بيئة مياه البحر المالحة.
حل مستدام لمناطق تعاني من شح المياه العذبة
تتيح هذه التقنية إنشاء مزارع هيدروجين مدعومة بالطاقة الشمسية في المناطق الساحلية القاحلة، بحسب التقرير.
وفي حال توسعة نطاق النظام بالشكل الصحيح، سيكون بمقدوره إنتاج كميات كبيرة من الهيدروجين الأخضر.
ويتم هذا الإنتاج عبر التحليل الكهربائي باستخدام الطاقة المتجددة، ما يعزز موقع الهيدروجين كمصدر طاقة نظيف ومستقبلي.
كفاءة صناعية واستهلاك منخفض للطاقة
أوضح الأستاذ يوسف حايك، المؤلف المشارك وأستاذ الهندسة الميكانيكية والنووية بجامعة الشارقة، أن النظام يُنتج الهيدروجين بمعدلات صناعية عالية.
وأضاف أن التصميم يعمل بكفاءة 1 أمبير لكل سنتيمتر مربع مع استهلاك منخفض للطاقة، ما يجعله مناسبًا للتطبيقات الكبيرة.
اهتمام متزايد من قطاع الطاقة النظيفة
وأكد الدكتور تنوير الحق أن التقنية الجديدة لاقت اهتمامًا كبيرًا من شركات ناشئة في مجال الطاقة النظيفة ومراكز الابتكار الإقليمية.
وأكد أن الابتكار يحوّل مياه البحر من تحدٍ بيئي إلى حل عملي، قائلًا: “إنه هيدروجين نظيف مستخرج من البحر”.













