تسببت اضطرابات الشرق الأوسط في قفزة قياسية بأسعار شحن النفط الخام والمنتجات البترولية، مع تجاوز تكلفة نقل البرميل من الخليج العربي إلى آسيا 37 دولارًا على متن الناقلات العملاقة بحلول منتصف أكتوبر 2026. بما يزيد على خمسة أمثال مستويات ما قبل الحرب. الأمر الذي يضغط على أرباح المصافي ويرفع تكاليف إمدادات الطاقة للمستهلكين.
اضطرابات الشرق الأوسط ترفع تكاليف نقل النفط إلى مستويات قياسية
ولا يتحدد السعر النهائي للنفط فقط بتكلفة إنتاجه؛ بل يتأثر أيضًا بتكاليف نقله من مناطق الإنتاج ومراكز التكرير إلى الأسواق المستهلكة، التي قد تبعد آلاف الكيلومترات، باستخدام ناقلات بحرية متخصصة.
وعادةً ما تمثل تكاليف النقل جزءًا محدودًا من السعر الإجمالي للنفط. إلا أن ارتفاع أجور الشحن بصورة استثنائية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الأعباء على امتداد سلسلة الإمداد، بدءًا من المنتجين والمصدرين. مرورًا بشركات التكرير والتجارة، وصولًا إلى المستهلك النهائي.
وتتصاعد هذه الضغوط على أسواق النفط العالمية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في فبراير 2026. وسط انشغال الأسواق بتوافر النفط الخام القادم من الخليج العربي وإعادة فتح الممرات التجارية عبر مضيق هرمز.
لكن اضطرابات الإمدادات لم تكن العامل الوحيد المؤثر. إذ ارتفعت تكاليف نقل النفط الخام والمنتجات البترولية خلال الأسابيع الأخيرة، لتسجل أجور شحن الناقلات مستويات تاريخية في سبتمبر الماضي.
وبحلول منتصف أكتوبر الجاري، تجاوزت تكلفة نقل النفط الخام من الخليج العربي إلى آسيا على متن ناقلة نفط خام عملاقة جدًا (VLCC) مستوى 37 دولارًا للبرميل. بما يزيد على خمسة أمثال مستويات ما قبل اندلاع الحرب.
اختناقات الملاحة وإعادة توجيه الشحنات تقلص كفاءة الأسطول
وأدت الحرب إلى زيادة الازدحام البحري حول مضيق هرمز، وإعادة توجيه مسارات التجارة النفطية، والتوسع في عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى. ما أطال فترات تسليم الشحنات وقلص كفاءة تشغيل أساطيل الناقلات، ودفع أسعار الشحن إلى الارتفاع.
وفي الظروف الطبيعية، تتحرك الناقلات بين مناطق الإنتاج والأسواق المستهلكة عبر مسارات بحرية معروفة. وكلما قصرت مدة الرحلة، زادت كمية النفط التي يستطيع الأسطول العالمي نقلها خلال فترة زمنية محددة.
لكن تغيير مسارات الشحنات أو نقلها بين السفن يؤدي إلى إبقاء الناقلات خارج سوق التأجير لفترات أطول. ما يقلص عدد السفن المتاحة لنقل الشحنات الجديدة، ويزيد الضغط على أجور النقل.
وكانت تكاليف الشحن قد بدأت الارتفاع بالفعل عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. الذي أعاد تشكيل حركة تجارة النفط الخام والمنتجات البترولية عالميًا.
وأدى تغيير مسارات الناقلات بعد فرض الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع حظرًا على النفط الروسي إلى اضطراب أنماط التجارة التقليدية. في حين أسهم تزايد عدد السفن العاملة خارج ترتيبات الشحن المعتادة. ضمن ما يعرف بـ«أسطول الظل»، المستخدم للتحايل على العقوبات ونقل النفط الروسي والإيراني، في تقليص عدد الناقلات المتاحة لبقية السوق.
استهداف خط الأنابيب السعودي يفاقم أزمة الشحن
وجاءت الموجة الأخيرة من ارتفاع أجور الشحن عقب سلسلة هجمات بطائرات مسيرة استهدفت خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب» في 11 سبتمبر الماضي. وهو أحد المسارات الحيوية التي تتيح للمملكة تجاوز مضيق هرمز ونقل النفط الخام إلى البحر الأحمر تمهيدًا لتصديره.
وتزامن التوقف المؤقت لتدفقات النفط عبر الخط مع زيادة مشتريات الصين من الخام. ما أدى إلى:
– انتقال كميات أكبر من النفط السعودي عبر مضيق هرمز.
– رفع الطلب على الناقلات البحرية.
وفي الوقت نفسه، أدى التعطل المؤقت لتدفقات النفط عبر خط الأنابيب، إلى حرمان ناقلات النفط الخام العملاقة جدًا (VLCC) الموجودة في منطقة سيدي كرير قبالة الساحل المصري على البحر المتوسط من الشحنات التي كانت تتوقع نقلها.
ودفع ذلك مستأجري السفن إلى البحث بصورة عاجلة عن مصادر بديلة للنفط الخام وناقلات قادرة على نقله. ما زاد الضغوط على سوق الشحن التي كانت تعاني بالفعل من محدودية المعروض.
وتفاقمت الأزمة كذلك بسبب الحصار البحري الذي فرضه الحوثيون على الملاحة السعودية عبر مضيق باب المندب. ما أطال زمن الرحلات البحرية وقلص كفاءة تشغيل الناقلات.
ورغم تحرك السعودية سريعًا لإصلاح خط أنابيب شرق–غرب وإعادة تشغيله خلال أيام، فإن تداعيات الاضطرابات استمرت في التأثير على طرفي تجارة النفط. إذ يواجه المستوردون ارتفاعًا في تكاليف الحصول على الخام والمنتجات البترولية. بينما يتعرض المصدرون لضغوط تدفع الأسعار التي يحصلون عليها مقابل نفطهم إلى الانخفاض.
ارتفاع الطلب على ناقلات سويسماكس وأفراماكس
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على الناقلات العملاقة؛ بل امتدت إلى السفن الأصغر حجمًا. مع اتجاه مستأجري الناقلات إلى تقسيم شحنات النفط الخام بين ناقلات سويسماكس (Suezmax) وأفراماكس (Aframax). بدلًا من الاعتماد على ناقلات VLCC وحدها.
وأدى هذا التحول إلى زيادة الطلب على الفئتين، في وقت تقضي فيه السفن فترات أطول على المسارات المتضررة من الاضطرابات.
وخلال الربع الثالث من عام 2026، ارتفع الطلب على ناقلات سويسماكس وأفراماكس. مقاسًا بمؤشر أطنان البضائع المنقولة مضروبة في مسافات النقل، بنحو 20% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق.
ويعكس هذا المؤشر حجم البضائع المنقولة والمسافات التي تقطعها. ما يجعله أداة مهمة لقياس الطلب الفعلي على خدمات النقل البحري.
وبحلول منتصف أكتوبر، تجاوزت تكلفة نقل برميل النفط الخام من غرب أفريقيا إلى أوروبا على متن ناقلات سويسماكس 22 دولارًا، أي أكثر من أربعة أمثال مستويات ما قبل الصراع.
كما تضاعفت أجور شحن ناقلات أفراماكس العاملة في بحر الشمال ثلاث مرات. لتتجاوز 6 دولارات للبرميل.
انتقال أزمة الشحن إلى ناقلات المنتجات البترولية
وامتدت آثار ارتفاع عوائد ناقلات النفط الخام إلى سوق ناقلات المنتجات البترولية. بعدما شجعت الأرباح الاستثنائية في نقل الخام بعض ملاك السفن على تحويل ناقلات المنتجات النفطية طويلة المدى من فئة LR2 إلى نقل النفط الخام بدلًا من المنتجات المكررة.
وأدى ذلك إلى إعادة توزيع شحنات المنتجات البترولية على أسطول الناقلات الأصغر حجمًا. ما زاد الضغط على الطاقة المتاحة لنقل المنتجات النفطية النظيفة ورفع أجور الشحن في هذا القطاع أيضًا.
وبحلول منتصف أكتوبر، اقتربت تكلفة نقل البرميل على متن ناقلات المنتجات النفطية من فئة LR1 من الخليج العربي إلى اليابان من 27 دولارًا. أي نحو خمسة أمثال مستويات ما قبل الصراع.
وحذرت التحليلات من أن أي اضطرابات إضافية في تجارة النفط العالمية قد تؤدي إلى مزيد من التشدد في سوق الناقلات.
وفي سبتمبر، زادت المخاوف من احتمال فرض الولايات المتحدة حظرًا على صادرات الديزل. وهو إجراء كان من شأنه تقليص الطلب على الناقلات في حوض المحيط الأطلسي. مقابل زيادة الحاجة إلى شحنات أطول مسافة من آسيا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية.
المصافي الآسيوية الأكثر تضررًا من ارتفاع أجور الشحن
وكان التأثير الأكبر لارتفاع أجور الشحن إلى مستويات قياسية على ربحية المصافي في آسيا. التي تعتمد بدرجة كبيرة على النفط الخام القادم من الشرق الأوسط.
وتواجه هذه المصافي تكاليف نقل مرتفعة. مع اضطرار الشحنات إلى المرور عبر مضيق هرمز ونقلها أحيانًا إلى ناقلات أخرى لاستكمال رحلتها إلى الأسواق الآسيوية.
وبحلول منتصف أكتوبر، تجاوزت تكلفة استئجار ناقلات VLCC على خط الخليج العربي–آسيا 1.3 مليون دولار يوميًا.
وتؤدي هذه المستويات المرتفعة إلى استنزاف جزء كبير من القيمة التي تحققها المصافي عند معالجة النفط الخام وتحويله إلى منتجات بترولية، مثل الديزل والكيروسين والبنزين.
وفي سبتمبر الماضي، دفعت الزيادة في التكلفة النهائية للنفط الخام المورد إلى المصافي الآسيوية هوامش ربح بعض المصافي التي تعالج خام الشرق الأوسط إلى المنطقة السلبية. ما يعني أن تكلفة التشغيل والشراء باتت تتجاوز العائد المحقق من المنتجات المكررة وفقًا لمؤشرات الهوامش المستخدمة في التحليل.
أما في أوروبا، فقد ساعدت هوامش التكرير القوية المصافي حتى وقت قريب على استيعاب الزيادة الكبيرة في تكاليف النقل. لكن ارتفاع أسعار النفط الخام خلال النصف الثاني من سبتمبر بدأ يفرض ضغوطًا إضافية على ربحيتها.













