تقرير: عودة أسواق الشحن البحري إلى طبيعتها مستبعدة قبل منتصف 2027

سي إنتلجنس
الشحن البحري

تواجه أسواق الشحن البحري العالمية فترة ممتدة من الاضطرابات، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واستمرار التهديدات التي تطال مضيقي هرمز وباب المندب.

إلى جانب تعطل مسارات الملاحة التقليدية وتغير خريطة تدفقات النفط والتجارة الدولية، وهو ما يرجح تأخر عودة الأسواق إلى أوضاعها الطبيعية حتى منتصف عام 2027 على الأقل.

وبحسب تحليل صادر عن شركة «فيسون نوتيكال» الأمريكية، اليوم، فإن التحسن المحتمل في تدفقات النفط من الشرق الأوسط خلال الربع الأخير من عام 2026 لن يكون كافيا لاستعادة التوازن الكامل لأسواق الشحن البحري. خاصة مع استمرار تجنب قناة السويس وتحويل السفن إلى مسارات أطول. وهو ما يرفع الطلب الفعلي على السعة المتاحة ويزيد تكاليف التشغيل.

وتشير التقديرات إلى أن آثار تغيير مسارات سفن الحاويات وسفن نقل المركبات ستستمر خلال الفترة المقبلة. مع احتمال بدء انعكاس هذا الاتجاه اعتبارا من عام 2028، حال عودة السفن تدريجيا إلى طرق الملاحة الأقصر عبر قناة السويس.

ناقلات النفط تحقق عوائد قياسية رغم تراجع الشحنات

سجلت أسواق ناقلات النفط أداء استثنائيا، رغم انخفاض كميات النفط المنقولة من الشرق الأوسط. إذ أدت زيادة عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، وتغيير مسارات السفن بعيدا عن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، والاعتماد على الرحلات الطويلة عبر المحيط الأطلسي، إلى استهلاك السعة التشغيلية المتاحة بمعدلات تفوق أثر تراجع أحجام الشحنات.

وتجاوزت إيرادات العقود الفورية لناقلات النفط الخام العملاقة 200 ألف دولار يوميا خلال الربع الثالث من عام 2026. بينما بلغ متوسط الإيرادات اليومية لناقلات المنتجات النفطية متوسطة المدى نحو 40 ألف دولار، بحسب التقرير.

وأسهمت الاختناقات التشغيلية، ومن بينها عمليات نقل النفط بين السفن قبالة سواحل سلطنة عمان. في زيادة الوقت الذي تستغرقه الرحلات وتقليص عدد الرحلات التي يمكن للأسطول تنفيذها، الأمر الذي دعم الأسعار رغم تراجع الإمدادات القادمة من المنطقة.

وتواجه حركة النفط تحديات إضافية نتيجة المخاطر المحيطة بمضيق هرمز وباب المندب. فضلا عن تضرر خط أنابيب النفط السعودي «شرق-غرب» الذي ينقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.

ورغم توقعات تحسن تدفقات النفط خلال الربع الأخير من العام الحالي. لا تزال استعادة القدرة التشغيلية الكاملة لأسواق الشحن مستبعدة قبل منتصف 2027.

ومن المنتظر أن يعود نمو الطلب العالمي على النفط إلى المسار الإيجابي بحلول عام 2027. مدفوعا بالحاجة إلى إعادة بناء المخزونات التجارية والاستراتيجية وتجاوز مستويات ما قبل الحرب. وهو ما قد يدعم الطلب على خدمات ناقلات النفط خلال العام المقبل.

طفرة في طلبيات بناء الناقلات وارتفاع قيمة الأصول

بالتوازي مع ارتفاع العوائد، شهدت طلبيات بناء السفن نموا حادا، إذ تضاعفت إلى ما يقارب أربعة أمثالها منذ بداية العام. مع التعاقد على بناء 198 ناقلة نفط عملاقة خلال عام 2026 حتى موعد إعداد التقرير، مقارنة بـ89 ناقلة طوال عام 2025.

وأدى ذلك إلى ارتفاع نسبة الطلبيات الجديدة إلى حجم أسطول الناقلات القائم إلى 37 %. مع استحواذ ناقلات النفط الخام على نحو 80 % من إجمالي طلبيات الناقلات الجديدة.

وامتد الارتفاع إلى قيم الأصول، إذ زادت قيمة ناقلات النفط العملاقة التي يبلغ عمرها خمس سنوات بنسبة 70 % منذ بداية العام، لتصل إلى 196.3 مليون دولار. كما ارتفعت أسعار بناء الناقلات العملاقة الجديدة بنسبة 8.4 %، لتبلغ 138 مليون دولار.

لكن التوسع في بناء السفن ينذر بتغير موازين السوق خلال السنوات المقبلة. إذ يتوقع أن يتجاوز نمو المعروض من الناقلات نمو الطلب اعتبارا من عام 2027. مع اتساع الفجوة بينهما خلال السنوات التالية وحتى نهاية فترة التوقعات في 2029. ما قد يضغط على العوائد وقيم الأصول بعد مرحلة الارتفاعات الحالية.

البضائع السائبة تستفيد من الطلب الصيني

واصلت أسواق سفن البضائع السائبة تحقيق نتائج قوية، مدعومة باستمرار الطلب الصيني على السلع الأساسية، ولا سيما خام الحديد والبوكسيت. رغم توقعات زيادة المعروض من السفن بوتيرة أسرع من نمو الطلب بدءا من عام 2027.

وبلغ متوسط الإيرادات اليومية لسفن «كيب سايز» نحو 41 ألف دولار خلال الربع الثالث من 2026. بزيادة قدرها 66 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

كما ارتفع متوسط أسعار الشحن لسفن «سوبراماكس» إلى نحو 20 ألف دولار يوميا. مقابل قرابة 15 ألف دولار خلال العام السابق. مدفوعا بقوة الطلب الصيني على خام الحديد والبوكسيت.

الحاويات والمركبات وغاز النفط المسال تحت ضغوط متباينة

شهدت إيرادات سفن الحاويات ارتفاعا محدودا، وسط مؤشرات أولية على احتمال استئناف جزئي للملاحة في البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن استمرار تغيير المسارات بعيدا عن قناة السويس يطيل الرحلات ويؤثر في كفاءة تشغيل الأسطول.

في حين قد تؤدي العودة إلى المسارات الأقصر بدءا من عام 2028 إلى زيادة السعة المتاحة فعليا. بما يهدد التوازن الحالي بين العرض والطلب.

وفي المقابل، حافظت سفن نقل السيارات والشاحنات على أداء قوي، مع تسجيل ارتفاعات حادة جديدة في أسعار الشحن. مدعومة باستمرار الصادرات الصينية الكبيرة من المركبات خلال الربع الثالث. لكن العودة المحتملة إلى مسارات السويس الأقصر قد تزيد الضغوط على هذا القطاع أيضا، إذا ارتفعت السعة التشغيلية المتاحة بوتيرة أسرع من الطلب.

أما سوق غاز النفط المسال، فلا تزال تواجه اضطرابات حادة، مع توقعات بانخفاض صادرات الشرق الأوسط من هذا النوع من الغاز بنسبة 48 % خلال عام 2026.

وتشير هذه التطورات إلى أن مسار أسواق الشحن البحري حتى عام 2029 سيظل مرتبطا بتفاعل عدة عوامل. في مقدمتها تطورات الصراع في الشرق الأوسط، واستمرار المخاطر في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وحركة السفن عبر قناة السويس. فضلا عن نمو الأسطول العالمي والتغيرات الهيكلية في الاقتصاد الصيني.