قال الدكتور عبد المنعم محمد داوود؛ أستاذ القانون الدولي، إن الاختناقات البحرية أصبحت من العوامل المؤثرة بصورة مباشرة في حركة الملاحة والتجارة العالمية. في ظل تزايد المخاطر الجيوسياسية والأمنية والمناخية والتشغيلية التي تواجه الممرات والمضائق البحرية الرئيسية حول العالم.
وأضاف أن مفهوم الاختناقات البحرية يرتبط بتعطل أحد الممرات أو المضائق البحرية. بما يؤدي إلى تكدس السفن واضطراب حركة الملاحة وعدم القدرة على نقل السفن والبضائع في التوقيتات المطلوبة. ما ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وتابع “داوود” أن الاختناقات البحرية قد تنتج عن أسباب متعددة، من بينها الحوادث التشغيلية. كما حدث في قناة السويس، إلى جانب العوامل المناخية والأمنية والسياسية.
ونوه إلى أن تداعيات هذه الأزمات لا تتوقف عند حدود الممر الملاحي الذي تعرض للتعطل. وإنما تمتد إلى الأسواق العالمية نتيجة اضطراب حركة المنتجات وسلاسل الإمداد.
وجاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها الجمعية البحرية المصرية تحت عنوان «الممرات والمضايق البحرية العالمية والتوترات الجيوسياسية وتأثيرها على تدفق سلاسل الإمداد». برئاسة اللواء بحري عصام الدين بدوي؛ رئيس الجمعية، امس الأحد.
العامل الجيوسياسي يدخل في حسابات اختيار مسارات السفن
وقال أستاذ القانون الدولي إن معايير اختيار شركات الملاحة لمسارات السفن شهدت تغيرا واضحا خلال السنوات الأخيرة. مضيفا أن القرار كان يعتمد في السابق بصورة أساسية على اختيار الطريق الأقل تكلفة أو الأكثر توفيرا للخدمات، إلا أن المعادلة أصبحت أكثر تعقيدا مع ظهور متغير جديد يتمثل في القرار الجيوسياسي.
وذكر أن العامل الجيوسياسي أصبح أحد العناصر المؤثرة في اختيار الطريق الملاحي، إلى جانب التكلفة والوقت والخدمات المتاحة. لافتا إلى أن شركات الملاحة باتت تضع مستوى المخاطر المرتبطة بكل مسار في الاعتبار قبل اتخاذ قرار العبور.
«مخاطر الحرب» ترفع تكلفة الرحلات البحرية
وأوضح داوود أن مخاطر الحرب، المعروفة باسم «War Risk Premium»، أصبحت عنصرا جوهريا يدخل ضمن تكلفة الرحلة، وقد تصل في بعض الحالات إلى نحو 2 % من قيمة السفينة.
وأشار إلى أن هذه النسبة تمثل تكلفة كبيرة تؤثر بصورة مباشرة على جاذبية الطريق الملاحي مقارنة بالمسارات البديلة. خاصة عندما ترتفع مستويات المخاطر الأمنية في الممرات البحرية الحيوية.
ورغم ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر المرتبطة ببعض الممرات البحرية، أكد أن قناة السويس لا تزال تحافظ على أهميتها بالنسبة لقطاعات من حركة الملاحة. خاصة سفن الحاويات، التي قد تفضل العبور من خلالها نظرا لسرعة الرحلة وملاءمة المسار لاحتياجاتها التشغيلية، حتى مع ارتفاع بعض عناصر التكلفة والمخاطر.
تجارة الطاقة تعيد توزيع مساراتها بين الممرات البحرية
وتطرق أستاذ القانون الدولي إلى تطورات حركة نقل الطاقة وإمداداتها خلال عامي 2024 و2025، موضحا أن إجمالي حجم تجارة الطاقة العالمية لم يشهد تغيرا جوهريا. إلا أن التغير الأساسي تمثل في المسارات التي اتبعتها حركة النقل، مع تحول جزء من التدفقات من الطرق التقليدية إلى مسارات بديلة.
وأشار إلى أن مضيق هرمز شهد انخفاضا حادا في إمدادات الطاقة المتجهة إلى الأسواق العالمية خلال الفترة المشار إليها. بينما حافظ مضيق ملقا على درجة ملحوظة من الاستقرار في تدفقات الطاقة بين عامي 2024 و2025.
وأضاف أن قناة السويس شهدت انخفاضا في حركة النقل، مع استمرار عبور ناقلات البترول والمنتجات البترولية، قبل أن تسجل الحركة تحسنا نسبيا. في حين شهد مضيق باب المندب انخفاضا حادا في إمدادات الطاقة خلال عامي 2023 و2024.
واعتبر أن هذه التطورات أدت إلى تغير بعض مسارات النقل التقليدية، مع اتجاه بعض التدفقات التجارية إلى طرق بديلة. بما يعكس أهمية العامل الجيوسياسي في تحديد المسار الذي تسلكه السفن، إلى جانب عناصر التكلفة والوقت والخدمات المتاحة.
«الشوك بوينتس» تواجه مخاطر جيوسياسية وأمنية
وأكد داوود أن الممرات البحرية الحيوية، أو ما يعرف بـ«الشوك بوينتس» (Chokepoints)، تواجه مجموعة متداخلة من المخاطر. تبدأ بالمخاطر الجيوسياسية الناتجة عن الصراعات والحروب والتوترات بين الأطراف الدولية والإقليمية، وتمتد إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بالهجمات والقرصنة.
وأشار إلى أن عودة نشاط القرصنة الصومالية تمثل أحد مصادر المخاطر الأمنية في مناطق الملاحة القريبة من خليج عدن وباب المندب. إلى جانب التوترات الأمنية في منطقة مضيق هرمز، وما يرتبط بها من تدخلات للقوى الدولية.
وأوضح أن تداخل هذه المخاطر يجعل قرار العبور في الممرات البحرية الحيوية أكثر ارتباطا بالتطورات الأمنية والسياسية المحيطة بها. وليس فقط بمدى قصر المسافة أو انخفاض تكلفة الرحلة.
الجفاف و«النينو» يؤثران على كفاءة قناة بنما
ولفت أستاذ القانون الدولي إلى أن العوامل المناخية أصبحت بدورها مؤثرة بصورة متزايدة في كفاءة الممرات البحرية. مستشهدا بما شهدته قناة بنما خلال عامي 2023 و2024 من موجات جفاف وعودة ظاهرة «النينو».
وتابع أن انخفاض معدلات هطول الأمطار أدى إلى التأثير على الطاقة الاستيعابية للقناة، واضطرار بعض السفن إلى خفض حمولاتها أو الانتظار لفترات أطول. وهو ما يوضح كيف يمكن للعوامل المناخية أن تتحول إلى عنصر مؤثر في حركة التجارة العالمية.
طريق القطب الشمالي لا يمثل بديلا فعليا لقناة السويس
وأشار داوود إلى أن طريق القطب الشمالي يطرح أحيانا باعتباره مسارا بديلا لقناة السويس، إلا أن قدرته على القيام بهذا الدور تظل محدودة. إذ لا يكون متاحا للملاحة طوال العام، ويقتصر تشغيله في حدود نحو خمسة أشهر.
وأضاف أن استخدام هذا الطريق يتطلب ترتيبات واشتراطات خاصة، فضلا عن محدودية قدرته الاستيعابية التي لا تتناسب مع السفن الكبيرة. بينما يتركز استخدامه بصورة أكبر في التجارة الداخلية الروسية وبعض حركة التجارة الآسيوية المحدودة.
وأكد أن هذه العوامل لا تجعل طريق القطب الشمالي بديلا فعليا عن حركة التجارة العابرة لقناة السويس. خاصة في ظل الفارق الكبير في طبيعة وحجم التدفقات التجارية التي تخدمها القناة.
العقوبات والحروب التجارية تعيد توجيه حركة التجارة
وأوضح أستاذ القانون الدولي أن المخاطر الاقتصادية تمثل عاملا آخر يضغط على الممرات البحرية. في ظل العقوبات الاقتصادية والحروب التجارية التي قد تدفع حركة التجارة إلى التحول من دولة إلى أخرى أو تغيير مساراتها.
وأضاف أن المخاطر التشغيلية تمثل بدورها تحديا أمام حركة الملاحة، ومن بينها الازدحام والحوادث الطارئة وإغلاق الموانئ أو الممرات الملاحية. وهي عوامل يمكن أن تؤدي إلى اضطراب حركة السفن وإعادة ترتيب المسارات التجارية.













