البحر الأحمر.. كنوز مغمورة تكشف شواهد تاريخية على طرق التجارة والحج في المملكة

الموانئ السعودية

يحتفظ البحر الأحمر في أعماقه بسجل حافل من الشواهد الحضارية التي توثق جانبا مهما من تاريخ المملكة العربية السعودية.

وتضم قيعانه بقايا حطام سفن ومواقع ومقتنيات أثرية استقرت تحت المياه لمئات السنين، لتكشف عن مسارات التجارة البحرية القديمة وحركة المسافرين والحجاج.

كما أنها تعكس حجم التواصل الحضاري الذي شهدته المنطقة عبر فترات تاريخية متعاقبة.

ويمثل البحر الأحمر، منذ عصور بعيدة، أحد أهم الممرات البحرية التي ربطت الجزيرة العربية بمناطق آسيا وأفريقيا والبحر المتوسط. وهو ما جعل سواحله ومياهه مسرحا لحركة تجارية وإنسانية واسعة تركت آثارا لا تزال محفوظة في مواقع مغمورة بالمياه.

التراث المغمور يوثق الوجود الإنساني

ويُعرَّف التراث الثقافي المغمور بالمياه، بحسب “واس” اليوم، بأنه الآثار والشواهد المرتبطة بالوجود الإنساني، والتي تحمل قيمة ثقافية أو تاريخية أو أثرية. وظلت مغمورة بالمياه بصورة كلية أو جزئية لمدة لا تقل عن 100 عام.

وتشمل هذه الفئة حطام السفن وما تحويه من مقتنيات. إلى جانب المواقع والمنشآت واللقى الأثرية وغيرها من الشواهد التي ترتبط بالإنسان ونشاطه عبر التاريخ.

وفي هذا الإطار، أولت المملكة اهتماما متزايدا بحماية هذا النوع من التراث وتوثيقه ودراسته. من خلال انضمامها إلى اتفاقية اليونسكو لعام 2001 الخاصة بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.

وأودعت المملكة وثيقة التصديق على الاتفاقية عام 2015. تأكيدا على أهمية صون هذا المكون من التراث الثقافي والحفاظ عليه للأجيال المقبلة.

سفينة «أنتيكيثيرا».. بداية لفتت الأنظار إلى آثار البحار

ويرتبط تاريخ علم الآثار المغمور بالمياه بإحدى المحطات البارزة التي وقعت قبالة السواحل اليونانية. عندما اكتشف غواصو الإسفنج حطام سفينة «أنتيكيثيرا» عام 1900.

وشهد عامَا 1900 و1901 عمليات انتشال لمحتويات الحطام بمشاركة الغواصين والبحرية الملكية اليونانية. في واحدة من أوائل البعثات الأثرية الكبرى التي نُفذت تحت سطح الماء.

وساهم هذا الاكتشاف في تغيير النظرة إلى البحار باعتبارها مصدرا للمعلومات التاريخية. بعدما أثبتت المواقع المغمورة قدرتها على الاحتفاظ بشواهد أثرية يمكن أن تقدم معرفة تاريخية تضاهي في أهميتها ما يتم اكتشافه في المواقع الأثرية على اليابسة.

مسوحات أثرية تكشف حطام سفن على السواحل السعودية

وشهدت السواحل السعودية خلال العقود الماضية تنفيذ عدد من أعمال المسح والبحث الأثري تحت الماء. ضمن جهود التعرف على مواقع التراث الثقافي المغمور وتوثيقها ودراستها.

وبدأت في عام 2012 أعمال مسح أثري مشتركة على امتداد الساحل الواقع بين رابغ والشعيبة. بالتعاون بين الجهة المسؤولة عن الآثار في المملكة آنذاك وجامعة فيليبس ماربورغ الألمانية.

واستمرت أعمال المسح خلال مواسم لاحقة، وأسفرت عن الكشف عن بقايا حطام سفن تنتمي إلى فترات تاريخية مختلفة.

ومن بينها حطام يرتبط بالفترة الرومانية، وآخر يعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة، بما يعكس تنوع الحضور الحضاري الذي شهدته المنطقة عبر تاريخها.

حطام سفينة أملج ضمن أبرز المواقع المكتشفة

وفي عامي 2015 و2016، نُفذت أعمال مسح أثري مشتركة بالتعاون مع فريق إيطالي من جامعة نابولي الشرقية في موقع حطام سفينة أملج. في إطار مواصلة دراسة المواقع البحرية الأثرية على الساحل السعودي.

كما واصلت هيئة التراث تطوير أعمال المسح الخاصة بالتراث الثقافي المغمور بالمياه. ومن أبرز مشروعاتها مسح المنطقة الممتدة بين أملج ورأس الشيخ حميد عام 2022، بالتعاون مع جهات علمية محلية ودولية.

واستهدف المشروع مساحة بلغت نحو 400 كيلومتر مربع، وأسهم في رصد وتوثيق أكثر من 25 موقعا على امتداد مسار أعمال المسح. بما يعكس اتساع نطاق المواقع التي يمكن أن تكشفها الدراسات الأثرية البحرية في البحر الأحمر.

ويقدم حطام سفينة أملج نموذجا لما يمكن أن توفره الدراسات الأثرية تحت الماء من معلومات وتفاصيل ظلت محفوظة لقرون.

فيما تؤكد المواقع التي جرى رصدها على امتداد الساحل السعودي وجود إمكانات بحثية واسعة أمام دراسة التراث المغمور بالمياه.

تقنيات حديثة لرصد المواقع الأثرية تحت الماء

وتخضع أعمال البحث والتنقيب الأثري في أعماق البحار لمراحل علمية دقيقة. تعتمد على تقنيات متخصصة لرصد المواقع وتحديد مواقعها وتوثيق حالتها ودراسة مكوناتها.

واستخدمت هيئة التراث في مشروعات مسح التراث الثقافي المغمور بالمياه تقنيات السونار البحري بمختلف أنواعه.

ويهدف ذلك إلى رصد المعالم الموجودة تحت سطح الماء وإنتاج الخرائط البحرية. إلى جانب تحديد المواقع باستخدام أنظمة تحديد المواقع العالمية.

كما تعتمد أعمال المسح على تصوير المواقع وإنتاج خرائط موزاييك. فضلا عن التقاط صور ومقاطع مرئية عالية الدقة، بما يوفر قاعدة بيانات تساعد الباحثين على دراسة المواقع وتوثيق تفاصيلها.

الفوتوجرامتري والنمذجة ثلاثية الأبعاد لتوثيق المكتشفات

ولا تقتصر أعمال التوثيق على المسح والتصوير. إذ تشمل أيضا أعمال الرفع المساحي والتوثيق باستخدام تقنية «الفوتوجرامتري»، التي تتيح إنتاج نماذج ثلاثية الأبعاد للمواقع والمكتشفات الأثرية.

وتتضمن مراحل العمل كذلك أعمال التنقيب الأثري المباشر، ودراسة المكتشفات، وأخذ العينات العلمية عند الحاجة. بما يتيح تحليل البيانات بصورة أكثر دقة مع الحفاظ على السياق الأثري للموقع، وتقليل احتمالات تعرض مكوناته للمخاطر.

وتساعد هذه المنهجية العلمية المتكاملة في بناء صورة أكثر وضوحا عن طبيعة المواقع المغمورة وعلاقتها بالأنشطة البشرية والتجارية والحضارية التي شهدها البحر الأحمر على مدار التاريخ.

هيئة التراث تواصل جهود الحماية والصون

ويمثل توثيق المواقع ودراستها نقطة البداية ضمن منظومة متكاملة تستهدف حمايتها وصونها. حيث تتولى هيئة التراث أعمال مسح مواقع التراث الثقافي المغمور بالمياه وتوثيقها ودراستها وحمايتها. بالتعاون مع الجامعات والمراكز العلمية والجهات المتخصصة محليا ودوليا.

وشملت جهود الهيئة تنفيذ مشروعات للمسح البحري في البحر الأحمر، وتوثيق المواقع الأثرية المغمورة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في أعمال المسح والتصوير والنمذجة.

إلى جانب تطوير القدرات الوطنية في مجال الغوص الأثري وتعزيز التعاون العلمي مع المؤسسات المتخصصة.